السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٢١

وغضبوا واغتاظوا: " … يشيدون المراقص فيقولون لعمارة الوطن، يفتحون المقامر فيزعمون: أنَّها لإعلاء شأن الوطن، يعلنون على الخمور فينادون أن شجَّعوا بضائع الوطن، يستجلبون أنواع الملاهي والمقاصف، فيموِّهون أنَّ ذلك لتمدين الوطن، ينظِّمون حفلات الرقص والغناء فيختلط الحابل بالنابل، فيعلنون بلا خجل إنَّ ما يتجمَّعُ منها لفائدة المشروع الخيري الوطني، وليتها لم تسن ولم تتصدَّق، كأنَّما الوطن فندق متداعي الجدران، والوطنية فؤوس ومعاول تقتنى لهدمه واكتساحه"(1).

إنَّ أبا اليقظان يسخر من هذه الأفكار السقيمة، ومن هذه العقول السخيفة، التي انقلبت عندها الموازين، واختلطت لديها المفاهيم، فأصبحت ترى في الفؤوس والمعاول التي تهدم، ترى فيها أدوات للبناء والتشييد. فالكاتب بقدر ما يتهكم بتصرُّفات هؤلاء الناس، فهو يتحسَّر كمداً على تركيبات هذا الصنف من البشر وتكوينهم، الذي أسهمت فيه الخطَّة الاستعمارية والعمل التنصيري الصليبي الذي أشرنا إليه آنفاً.

لذا نجد كاتباً آخر وهو "أبو فراس" يبيِّن حقيقة الوطنية، التي يجب أن يتحلَّى بها الجزائري المثقَّف بخاصة، ليعمل - على ضوئها، وانطلاقاً من فهم حقيقتها- لإنقاذ الوضع، وتلافي السلبيَّات. يبيِّن ذلك وهو يوجِّه كلامه إلى خرِّيجي جامع الزيتونة، وهم يتأهَّبون للمشاركة في الحياة الوطنية في المغرب العربي بعامة والجزائر بخاصة، منتقداً - في الوقت نفسه - جمود المثقَّفين وخرِّيجي المدارس والمعاهد في المشاركة في الجهاد الوطني، أو عدم العمل فيه بقوَّة وفعالية. ويلوم الذين يرجعون من تونس إلى الجزائر (كخزائن الكتب تمشي على رجلين) ثم يشير إلى المسؤولين على هذه الناشئة أن يُذْكُوا الحماسة الوطنية في قلوبهم، ويدرِّبوهم على الكفاح السياسي المنظَّم … ثمَّ يقدِّم إلى هؤلاء النَّشء توجيهات وطنية بأسلوب فكاهي طريف، ممزوج بالمرارة والحسرة، لكنّه كان هادفاً: "ليست الجزائر بحاجة إلى رجال يرفعون الفاعل، وينصبون المفعول، ويخفضون المضاف إليه، ويحرِّكون ويسكِّنون

(1) " الوطنية الحقَّة … " (د. إ)، وادي ميزاب، ع: 52 (07/ 10/1927م). [المقال لأبي اليقظان].

٢٢١ / ٤٩٤