السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٢٢أواخر الكلمات لا غير. وإنَّما هي بحاجة إلى رجال يرفعون رأسها عاليًا، وينصبون أقلامهم وأفكارهم للذَّود عن حماها، والدفاع عن كرامتها، ويخفضون رؤوس المتفوِّقين والخونة المنافقين، ويحرِّكون المؤسَّسات، ويسكِّنون عواصف الظُّلامات. أولئك هم الرجال الذين تحتاجهم الجزائر اليوم، ويحتاجهم المغرب الأعظم الجبَّار، فماذا يهمُّنا قيام زيد أو قعود عمرو، ما دام الاستعمار قائماً لا يقعد. والشعب قاعداً لا يقوم"(1).
إنَّ الكاتب يريد نفخ روح الوطنية في نفوس الطبقة المثقَّفة والطلبة الذين كانوا في فترة التلقِّي والمرحلة النظرية في تكوُّنهم. اليوم وهم يتأهَّبون للانتقال إلى المرحلة العملية، يجب عليهم أن يفهموا أنَّه لابد من تسخير علومهم في خدمة المجتمع والوطن. ولا يمكن أن يبقوا نظريِّين في حياتهم، ولا أن يحصروا أنفسهم ونشاطهم في دائرة تخصُّصهم فقط، بل يجب أن يبرهنوا على إخلاصهم لوطنهم. وعليهم أن يدركوا أخيراً أنَّه لم يسمح لهم بالتعلُّم إلاَّ رجاء أن تتقوَّى فيهم الروح الوطنية، التي تدفعهم إلى العمل على حماية الوطن والرفع من شأنه …
إنَّ حقيقة الوطنية أوسع وأبعد ممَّا كان يتصوَّره بعض المثقَّفين. إنَّها التصدِّي للاستعمار، ولكلِّ ما يعكِّر صفو الحياة الوطنية، ويعرقل الكفاح الوطني. والوطنية تعني التفطُّن لدسائس العدوِّ ومعرفة مخطَّطاته في تهميش الجهاد، وحصره في زاوية معيَّنة، كإبقائه في دائرة محاربة الطرقية والتعرُّض لرجال الزوايا: "إنَّ الطالب الجزائري الذي يعرف حرفين بالعربية أصبح اليوم ولا همَّ له إلاَّ التطوُّع جنديًّا في محاربة الطرقيِّين، كأن ليس عليه من واجبات غير هذه، وكأنَّ شعبه لا يشكو إلاَّ من هذه الناحية، وكأنَّ الاستعمار لا يعنيه في قبيل ولا دبير، والأديب الجزائري -من ناثر وشاعر- أصبح اليوم لا يعرف غير لغة البدعة، الضلالة، القبور، القبب،
(1) أبو فراس (هو مفدي زكرياء) "ملاحظات نزيهة من رسالة صديق"، محمد قنانش ومحفوظ قدَّاش، حزب الشعب الجزائري 1937 - 1939، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر، سنة 1985م، ص: 238. الرسالة كتبها مفدي زكريَّاء في السجن سنة 1937م.