السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٢٤بدأت قصَّته كما يأتي: "وحيث أنَّنا أتممنا نحن مشروع مطبعتنا العربية، ولم نقم بهذا الواجب (واجب التدشين) رأت الحكومة من اللاَّئق بعظمة المشروع أن تقوم بتدشينه هي، فأرسلت لجنة تتركَّب من حضرة كوميسار البوليس وأعوانه، لينوبوها في ذلك"(1). ثم سرد تفصيلات الزيارة وعملية التدشين، متهكماً ومعرِّضا بالمعاملة التي قدَّمتها اللجنة، والتي تليق بمقام المشروعات: "ففي الساعة 7و15 صباح السبت 07 مارس شرَّفتنا اللجنة بلباسها الرسمي، حاملة إذن والي الولاية العامة المحترم بتفتيش محلِّ المطبعة، ففتَّشوه - رعاهم الله - بكلِّ دقَّة ولطف، وتتبَّعوا مكتبه ورفوفه وملفَّات المعاملات، ودواليب الماكينات، وصناديق الحروف، وغير ذلك، ثمَّ دعونا بسلام من غير أن يبدوا لنا سبباً لهذا، غير أنَّا فهمنا بعد كمال التدقيز أنَّ المراد من هذا التفتيش، إنَّما هو مجرَّد التدشين، فشكرناهم على ذلك شكراً جزيلاً، كما شكرنا لديمقراطية القرن العشرين، التي بلغت بحرمة المنزل والحرية الشخصية إلى هذه الدرجة العالية"(2).
السخرية والتهكُّم يبدوان في هذه النقط:
1 - في العرض المفصَّل المدقَّق لزيارة اللجنة، وفي هذا تعريض بسخافة عقول هؤلاء الأعضاء، القاصدين المحل، ثمَّ في وصف تحرُّكاتهم وحركاتهم، وفي ذلك تعبير عن احتقار الكاتب هؤلاء، وازدرائه تصرُّفاتهم التي تكشف عن النذالة والدناءة.
2 - في انتقاء كلمات وجمل وأوصاف معيَّنة، ظاهرها احترامُ وتقديرُ هؤلاء المفتِّشين، وباطنها تنكيت بهم وتعريض (ففتَّشوه - رعاهم الله - بكلِّ دقَّة ولطف) (إذن والي الولاية المحترم) (شكرناهم على ذلك شكرًا جزيلا) …
3 - في التعريض بأعمال المفتِّشين، التي تتنافى مع ما تلوح به أقوالهم من آيات الاحترام والتقدير للغير، وإعطاء الحرية وبسط الديمقراطية: (شكرنا لديمقراطية القرن العشرين، التي بلغت بحرمة المنزل والحرية الشخصية إلى هذه الدرجة العالية).