السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٢٥استمرَّ الكاتب بعد ذلك في وصف وقائع التدشين والزيارة التي تجاوزت المهمَّة التي كلَّفت بها هذه اللجنة. فتهكم منها، ورأى الكاتب أنَّ سبب كلِّ هذه التصرفات هو أنَّ شبح "وادي ميزاب"(1) ما يزال ماثلاً أمامهم بهيبته وروعته - رغم مضيِّ عامين على نعيه - فقصدوه في قبره وفتحوه بدون أية استشارة أو استئذان. قدَّم الكاتب هذا الوصف بالأسلوب نفسه، الذي ينضح سخرية، معتمداً على بعض الكلمات المعرّضة: " ثم إنَّ اللجنة المحترمة لم تكتف بهذا، بل جاوزت حدود الإذن الرسمي، فوهمت أنَّه لا يزال شبح "وادي ميزاب" بمدفنه، فقصدته بكلِّ شجاعة، ففتحت قبره بدون حضور وليِّه، فدارت في زواياه، وبكلِّ أسف لم تجد إلاَّ غباراً متراكماً على مكتبه، ومن العجيب أنَّه ما يزال بعبع "وادي ميزاب" ماثلاً رغماً عن مضيِّ عامين على مصرعه وقد ذكَّرتنا هذه القصَّة بقصَّة حجا ورفات الحمار"(2).
تأسَّف الكاتب لكون مجهود اللجنة كان ضائعاً، إذ لم تعثر على ماكانت تطلبه، وهو القبض على جريدة "وادي ميزاب"؛ لأنَّها قد ماتت منذ عامين. لكنَّ الخوف والفرق اللذين تركتهما في قلوب المستعمرين جعلاهم لا يصدِّقون بموتها، ففتَّشوا عنها حتىَّ في مدفنها. تحسَّر الكاتب أيضا على الخسارة التي لحقت اللجنة: خسارة على الشجاعة التي أظهرتها، وخسارة على الجهد المبذول، وخسارة على الجسارة في خرق القوانين في سبيل غاية لم تتحقَّق. وتكون هذه اللفتات الساخرة من الكاتب بالغة غايتها من الاحتقار والازدراء، حين يربط بين قصَّة الزيارة بنتائجها وقصَّة جحا ورفات الحمار.
وبعد أن يضيف تجاوزات أخرى قامت بها اللجنة، كالاعتداءات على بعض المنازل وتفتيشها دون حضور أربابها، بعد عرض ذلك يكشف عن هذا الضعف وهذا الجبن اللذين ظهرت بهما اللجنة: "ولكن مالنا ولهذه الضوضاء والجلبة كلِّها!
(1) جريدة وادي ميزاب أولى جرائد أبي اليقظان (1926 - 1929م) صدر منها 119، عدداً عطِّلت في شهر فيفري 1929م، ينظر كتاب الصحف العربية الجزائرية، ص: 65 - 79.
(2) المغرب، ع: 37.