السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٢٦أضاقت الصدور وفقدت الوسائل الحكيمة إلاَّ هذه الوسيلة التي لا يفهم بادئ الرأي منها إلاَّ نهاية الضعف والوهن السياسي"(1).
لمزيد من الاطِّلاع والكشف عن عسف المستعمر، وقهرالشعب، نفتِّش مع أبي اليقظان عن الحرية التي منحتها فرنسا للجزائريِّين، ونتعرَّف على الديمقراطية التي تبرَّعت بها عليهم، ونتبيَّن الأفضال التي كانت تنعم بها على المواطنين: "بعثنا الله إليكم لنبدِّل ذلَّكم عزًّا، ولكن بصبِّ كؤوس الهوان على رؤوسكم، وفقركم غنى، ولكن بابتزاز أراضيكم ومقدَّرات بلادكم، وترك مئات الآلاف يلتحفون الغبراء وجهلكم علماً، ولكن بإغلاق المدارس في وجوه أبنائكم، وترك 90 ألف نسمة يذرعون الطرقات، وعبوديتكم حرية، ولكن بإحاطتكم بأسلاك شائكة من قيود القوانين الاستثنائية. نحن نتعهَّد باحترام ديانتكم، ولكن بمضايقة رجال الدين، وإطلاق العنان للمبشِّرين يجوسون خلال الديار، ويأخذون طريقهم إلى القلوب لابتزاز العقائد منها، نحن نحترم آدابكم وثقافتكم، ولكن بمطاردة لغتكم العربية واعتبارها وهي لسانكم لغة أجنبية كلغة الألمان والطليان. نحن نعطيكم الحرية التامة في انتخاب نوابكم، ولا تَتَدَخَّلُ فيما بينكم أبداً إلا بإطلاق المسدَّسات فقط، وقتل وجرح الناخبين فحسب!!.
ذوق سليم ومنطق مستقيم، وعدل عميم، ومنهاج قويم، جاءتنا به أوروبا لتخرجنا من الظلمات إلى النُّور … !!! لتملي علينا دروس الحضارة والتمدين، لتلقِّننا مبادئ التثقيف والتهذيب ما شَاء الله لا قوَّة إلاَّ بالله!!. أهكذا يكون التمدين؟ أهكذا يكون التهذيب؟ أبهذا تمتلك القلوب؟! "(2).
النص ينضح حسرة ومرارة، أفصح عنهما الكاتب بأسلوب ساخر معرِّض بالمفارقات في تصرُّفات المستعمر. وكشفت عنهما هذه المقابلة بين الادِّعاء وحقيقة
(1) م. ن.
(2) "لكم الحرية التامَّة في الانتخاب ولكن تحت طلقات المسدَّسات وبين أزيز الرصاص" (د. إ)، جريدة الأمَّة (أبو اليقظان) ع: 155 (22/ 02/1938م). المقال لأبي اليقظان، كتبه بعد حوادث بسكرة التي وقعت يوم: 06/ 02/1938م، أثناء معركة الانتخابات.