السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٢٧ذلك في ميدان التطبيق وطريقة التنفيذ، وأبانت عنهما عبارة (نفعل كذا ولكن … ). فهذه الكلمات والجمل تعبِّر تعبيراً صادقاً وقويًّا عن قمَّة القلق النفسي والألم المبرِّح؛ بسبب تدهور الحالة السياسية في الجزائر، وتكشف عن قوَّة احتدام الصراع مع المستعمر. كما تعبِّر بصفة خاصة عن حالة الكاتب الخاصة، وتوتُّر نفسه ونفاذ صبره من مضايقات الاستعمار له في جهاده الصحافي، ومصادراته المتكرِّرة لجرائده؛ فبعد شهور فقط من كتابة هذا المقال، يصادر العدوُّ جريدته "الفرقان"(1) بعدها يقرِّر اعتزال الصحافة التي قال عنها يوماً ما:
إنَّ الصحافة للشعوبِ حياةٌ … والشعبُ من غير اللِّسان مواتُ
فهي اللِّسانُ المفصِحُ الذلق الذي … ببيانِه تُتَدارَكُ الغاياتُ(2)
فاعتزاله الصحافة كان بسبب هذه المضايقات التي لاقاها من المستعمر، فهجر هذه الوسيلة الضرورية لحياة الشعوب، وهذا اللسان المفصح عن آمال الجماهير وغاياتها، وقد تركها تحت ضربات العدوِّ القاتلة، وغيَّر وسيلة العمل والجهاد(3).
حين نستحضر هذا الجوَّ الذي تنفَّس فيه نصُّ أبي اليقظان، سابق الذكر نقف على المرارة والحسرة اللتين طبعتاه، ونفهم السخرية التي وصف بها الكاتب أعمال المستعمرين(4).
ولكثرة هذه الممارسات التعسُّفية والتجاوزات في الظلم والقهر اختار كاتب أن يرسل رسالة مفتوحة إلى سيّدنا عيسى - عليه السلام -، يسأله فيها، هل هو الذي
(1) صدر العدد السادس من الجريدة يوم: 02/ 08/1938م. وهو آخر عدد يصدره أبو اليقظان في نشاطه الصحافي.
(2) ديوان أبي اليقظان ج1، ط2، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الرغاية (الجزائر).نشر جمعية التراث، العطف (الجزائر) سنة 1989م. ص: 130.
(3) هو القائل: " … بعدما رأيت الجوّ مكفهراًّ بعد تعطيل جرائدنا، وبعد أن أيست من الرجوع إلى ميدان الصحافة ورأيت نفسي وفي الأجل بقية للعمل والحمد لله، حوَّلتُ وجهي للتأليف … أبو اليقظان إبراهيم "نشأتي" (مخ)، ص: 59. ينظر أيضا كتابنا "أبو اليقظان في الدوريّات العربية" ص: 176،177.
(4) ينظر هذه الأفكار وهذه المشاعر، عيون البصائر، ص: 407، وجريدة "الشعلة" ع: 7 (26/ 01/1927م) فيها مقال بعنوان "لمن تُغني".