السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٢٨

أمر المستعمرين - الذين هم أتباعه شكلاً- بأن يتجبَّروا ويطغوا ويظلموا ويستعبدوا غيرهم؟ هل هي وصاياه إليهم بذلك؟ ثم يعرض عليه أسئلة أخرى على وجه السخرية والاستنكار؛ لحمايته أولئك الذين يحتفلون بتعاليم وآيات لا يطبِّقونها في حياتهم. هذه الصورة الساخرة استوحاها الكاتب من الموقف الذي عرضه الله تعالى على عيسى - عليه السلام -؛ حين سأله هل هو الذي أمر الناس بأن يتّخذوه وأمَّه إلهين من دون الله(1).

في سؤال الكاتب سخرية من سفاهة عقول هؤلاء الناس. كما أنَّ الرسالة كلُّها تهكمٌ بأعمال الفرنسيِّين والمستعمرين، الذين ظلموا وطغوا في البلاد(2).

تكثر تعسُّفات الاستعمار، فينشط الأدباء في الكتابة للكشف عن حقيقة الاستعمار. فهذا محمد البشير الإبراهيمي لا يترك أية مناسبة إلاَّ ويسلكها في سبيل ذلك، ولا يضيِّع أية مناسبة متاحة إلاَّ ويغتنمها في هذا المضمار؛ لشدَّة كرهه الاستعمار ومقته له. في هذه المرَّة يحاول الانتصاف لكلمة الاستعمار، التي حوَّلت عن معناها وهو العمارة والتعمير إلى معنى خسيس، أراده لها القاسطون؛ بقصد التمادي في قهر الناس، والسيطرة عليهم، فاستعار هذه الكلمة ليوهم العامة بأنَّه قدم إليهم لينشر الخير والفضيلة بينهم، وأنَّه جاء للبناء والتشييد …

يقدِّم لنا الكاتب هذه الحقيقة في ثوب فكاهيٍّ تهكمي، يبدؤه بسؤال ساخر هادف: "وعجيب وهل الاستعمار مظلوم؟ إنَّما يقول هذا (كولون الشمال) أصحاب الكيمياء، التي أحالت السيِّد عبدا والدخيل أصيلاً. أمَّا أنت فتوبتك أن تحشر كلمة (مظلوم) هذه في الكلمات المظلومة. هوِّن عليك فإنَّ المظلوم هنا هو هذه الكلمة العربية الجليلة، التي ترجموا بها لمعنى خسيس … "(3).

انطلق الكاتب من سؤال ساخر، وهو ما يوحي بهذه الحالة النفسية النَّاقمة، التي تشاهد الحيف والضيّم الكبيرين، اللذين سلَّطا على الشعب الجزائري، وبخاصة

(1) ينظر سورة المائدة، الآيات: 116 - 120، ثم تفسيرها في ظلال القرآن مج2، ج7، ص: 1000 وما بعدها.

(2) ينظر "زيَّادي" رسالة مفتوحة إلى روح سيِّدنا عيسى بمناسبة عيد الميلاد"، جريدة البصائر الثانية، ع: 19 (12/ 01/1948م). ينظر أيضاً عيون البصائر، ص: 77،78، فيها المعاني نفسها والصورة عينها.

(3) عيون البصائر، ص: 574.

٢٢٨ / ٤٩٤