السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٢٩

بعد مجازر الثامن من ماي 1945 الرهيبة التي كانت "نكبة كبيرة على الجزائرييِّن بسبب ما تركته من ويلات ومصائب، إذ ثكلت الحركة الوطنية، وقتلت العشرات من قادتها ومسيِّريها، وفتكت بالآلاف من المواطنين الذين جاؤوا مطالبين بحقوقهم المسلوبة، ومنادين بالاعتراف بحقِّهم في العيش والاستفادة من خيرات بلادهم"(1).

بعد أن بيَّن البشير الإبراهيمي أنَّ الكلمة حشر فيها معاني الخراب والانتهاك والظلم والتعدِّي والفساد والسرقة والنَّهب والقسوة والقتل ومجموع الرذائل … وبذلك كانت ثقيلة على الأسماع، منبوذة من النفوس. بعد ذلك دعا الشعب إلى الاستفاقة من هذه الغفوة، والإفاقة من هذه الغفلة، وعدم الانخداع بمثل هذه التمويهات والمغالطات، وأشارإلى الناس: أن سمَّوا الأشياء بأسمائها؛ حتىَّ تقفوا على حقيقة ما يراد بكم، وتتبيَّنوا أموركم. ثمَّ أضاف مستمراًّ في الشماتة بالاستعمار تهكماً وحنقاً عليه: "أما والله لو أنَّ هذا الهيكل المسمَّى بالاستعمار كان حيواناً لكان من حيوانات الأساطير بأَلْفِ فَمٍ للالتهام، وألف معدة للهضم، وألف يد للخنق، وألف ظلف للدَّوس، وألف مخلبٍ للفرس، وألف ناب للتَّمزيق، وألف لسان للكذب وتزيين هذه الأعمال. ولكان مع ذلك مغتلمًا هائجًا بادئ السوءات والمقابح، على أسوإ ما نعرفه في الغرائز الحيوانية"(2).

يشتدُّ حنق الكاتب على المسمىَّ الاستعمار، المنتحل هذا الاسم؛ لكثرة جرائمه واعتداءاته، فيبدي سخريته الممزوجة بهذا الغضب العارم ويصوِّر الاستعمار حيواناً من حيوانات الأساطير، التي تمتلك قوَّة خارقة، لا حقيقة لها إلاَّ في أذهان البسطاء من الناس، وعقول السذج منهم، مع ذلك يصرُّ على نعت الاستعمار بأنَّه جبان ضعيف؛ إذ أنَّ قوَّته التي يدَّعيها ليست سوى القوَّة التي تقرأ في الأساطير، وهو إلى جانب ذلك منقاد إلى الشهوات، وأسير الغرائز أكثر من الحيوان.

(1) محمد ناصر بوحجام "إرهاصات الثورة في الشعر الجزائري"، المجلَّة الثقافية (الجامعة الأردنية)،ع: 30، ربيع الثاني 1414هـ/ تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1993م، ص: 134.

(2) عيون البصائر،: 575.

٢٢٩ / ٤٩٤