السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣٠في هذا التصوير، وفي هذا التعبير يكمن الألم النفسي الذي يعصر قلب الكاتب، فأخرجه في هذه الجمل المتساوقة، وفي هذه الأوصاف الساخرة.
وبعد أن كشف عن حقيقة هذا المسمَّى بالاستعمار خاطب الناس، وناداهم من الأعماق نداء المتذمَّر الواجد على هذا الهيكل: "سمُّوا الاستعمار تخريبًا - إذ لا تصحُّ كلمة استخراب في الاستعمال- لأنَّه يخرِّب الأوطان والأديان والعقول والأفكار، ويهدم القيم والمقامات والمقوِّمات، وخذوا العهد على المجامع العربية أن تمنع استعمال هذه الكلمة في هذا المعنى الذي لا تقوم بحمله عربة مزابل"(1).
هذه الفقرة الساخرة المعرِّضة نقلت زفرة الكاتب، ونفثة صدره. نداؤُه واستغاثته جسَّدا قلقه وضجره من تعسُّف المستعمر.
يبقى التأويل واستعارة المصطلحات فرصة للتَّمويه والتضليل؛ لتمرير المؤامرات وتحقيق المصالح. بناءً على ذلك يقرّر البشير الإبراهيمي أنَّ الحرية مفقودة في الجزائر؛ بسبب تفسير معنى السياسة حسب أهواء المستعمر، وتطبيقها حسب ما يمليه الظرف والعامل والمصلحة. يورد الفكرة في تهكم وحسرة على حالات العسر والعنت التي يعيشها الشعب الجزائري؛ بسبب الفهم الخاطئ لمعنى السياسة: "للسياسة في جميع بلاد الله وعند جميع خلقه معنى محدود قارٌّ في حيِّزه من الإدراك، إلاَّ في هذا البلد وعند حكومته وساسته المقلِّدين، فإنَّ معناها غير محدَّد ولا مستقر، يتَّسع إلى أقصى حدود الاتِّساع فيحمل ما قارب وما باعد، وما جانس وما خالف، وما اطَّرد وما شذَّ، ويضيق إلى أقصى حدود الضيق، فتلتوي مسالكه، وتنسدُّ مجاريه، وتتهافت أقيسته، ولا يتبيَّن فيه مورد عن مصدر، كلُّ ذلك بالتبع لأهواء الاستعمار المتباينة، وأهويته المتناوحة، والاستعماركلُّه رجس من عمل الشيطان، فغير غريب أن يكون من خصائصه تغيير الأوضاع والمعاني، ليصحِّح لنفسه الألوهية المزوَّرة إلى حين"(2).
(1) م. ن. ينظر شبيه بهذه الفكرة تحليل الكاتب نفسه لكلمة "الديمقراطية،" عيون البصائر، ص: 576،577.
(2) عيون البصائر، ص: 30. المقال بعنوان "جمعية العلماء موقفها مع السياسة والساسة". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 3 (08/ 08/1947م).