السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣يستدلُّ محمد مصطفى سلام(1) على كون الهجاء يدخل أحيانا ضمن مدلول السخرية، يستدلُّ على ذلك بآيات قرآنية أوردت لفظة سخرية، وهي تعني الاستهزاء والانتقاص وذكر العيوب، منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّنْ قَوْمٍٍ عَسَى أَن يَّكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّنْ نِسَاءٍ عَسَى أَن يَّكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ … ﴾(2)، وقوله تعالى: ﴿ … إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فِإنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾(3)، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لاَ نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الاَشْرَارِ أَتَّخَذْناَهُمْ سُخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الاَبْصَارُ﴾(4). إلاَّ أن الهجاء ليس دائما سخرية لأنَّه قد ينقلب شتما وتعييرا مبالغا فيه، وهنا يفترق عن السخرية.
كما ترتبط السخرية بالدعابة أحيانا، وتبني مادتها ممَّا تبنيه الدعابة، بل إنَّ هذه الأخيرة تهدف - في كثير من الأحيان- إلى ما تهدف إليه السخرية من الإصلاح والتقويم، أو التنفيس عن النفس، وبعث السرور فيها. إذ هي "لا تخلو من تأثير معيَّن بهذه المادة، التي أسهمت في خلقها، وتعطي إلى جانب الرغبة في التسلية إيماءً بالمنطق العام، الذي يسود الفكر، أو النموذج المثالي، الذي يتطلَّع إليه الإنسان جادًّا أو هازلا أو مازحا"(5).
هكذا نرى أنَّ السخرية قد يُعبَّر عنها بألفاظ الاستخفاف والمداعبة والتعريض والهُزْء والتندُّر والتهكم والتفكُّه … أو هي تدلُّ على ذلك. يبقى تحديد معنى السخرية، أو الكشف عنها في هذه الألفاظ متوقِّفا على الروح التي تسري فيها. بما يوحي بالانتقاص أو النَّيل من الخصم وقهره وتذليله، أو تقويم اعوجاجه وإصلاحه …
(1) محمد مصطفى سلام، شغر السخرية في العصر العبَّاسي: دراسة ونقد، رسالة ماجستير، كلية دار العلوم، جامعة القاهرة، سنة 1974 (مخطوطة)،ص:2، موجودة في مكتبة قسم اللغة العربية، كلية الآداب، جامعة القاهرة، تحت رقم: 1568.
(2) سورة الحجرات، الآية: 11.
(3) سورة هود، الآية: 38.
(4) سورة ص، الآيتان: 62، 63.
(5) السخرية في أدب المازني، ص: 22.