السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣١تبدو سخرية الكاتب في وصف الاستعمار بالمتناقض في ممارساته وتفكيره؛ إذ لم يهتد إلى حقيقة السياسة، فحشر فيها ما قارب وما باعد، وما جانس وما خالف … ووسَّع من مدلولها ومجالها، وضيَّق منها أحياناً أخرى … إذن حين أساء الاستعمار فهم حقيقة السياسة، وأخطأ الطريق في استعمالها أصبحت اللفظة دون معنى، ومن ثمَّ تجرَّأ كلُّ الناس على ولوج بابها، والتعامل معا بما أفقدها قيمتها وهيبتها، بعدما كانت شبحاً وغولاً جاثماً على صدورهم وقابعاً في قلوبهم، وماكثاً غصَّة في حلوقهم: "ويوشك هذا اللفظ بسوء تصريف الاستعمار له أن يصبح بلا معنى كالألفاظ المهملة، وكما جازف الاستعمار قبل اليوم بكلمة (عدوِّ فرنسا) يرمي بها في غير هدف، ويسم بها كلَّ من هبَّ ودبَّ، فكان من آثار ذلك أن نبَّه الناس إلى عداوة فرنسا، وفتح لهم – بما يردِّد من لفظها، ويبدع من أسبابها- أبواباً وطرائق. كذلك جازف بكلمة السياسة، يرمي بها حتى المصلِّين والحجَّاج، فكان من آثار ذلك أن غمرت الناس هذه الموجة المكتسحة من السياسة، ولا يجني الظالم إلاَّ على نفسه. وإذا أراد الله بأمَّة خيراً جعل يقظتها على أيدي أعدائها"(1).
واضح من سخرية الكاتب وتهكمه اللذين عمل الخيال في بلورتهما، ومن صياغة الأفكار التي تضمَّناها أنَّه كان يهدف إلى هدفين أساسييَّن:
1) كان يرمي إلى وصف الاستعمار بالغباوة والسذاجة؛ إذ أنَّه لم يحسن التصرُّف مع من هم تحت سيطرته ورحمته، ولم يتَّبع معهم الأسلوب الذي يبقيهم تحت نفوذه، بل تعامل معهم بما يفتح عيونهم للعمل على الخروج من التبعية له، وعلى الانفلات من قيده. وفي هذه اللفتة عامل نفسي: فيه عدم الاعتراف للعدوِّ المستعمر بسيطرته، وتحكُّمه في رقاب الشعب وإحكام قبضته عليه؛ رغم ما يبدو من مظاهر السيطرة عليه في الحياة العامة، وممَّا يرتكبه من جرائم متتالية في حقِّه. وفيه أيضاً اغتيال معنويَّات العدوِّ أمام الشعب وإبعاده عن عيون الناس، وطرد
(1) م. ن.