السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣٣يركِّز محمد البشير الإبراهيمي كثيرًا في كتاباته على فكرة السخافة والسذاجة الاستعمارية، وفكرة الادِّعاء والزعم، دون التقدُّم خطوة واحدة نحو التنفيذ. يركِّز على ذلك بدافع نفسيٍّ؛ توهيناً لقوَّة المستعمر، وإحباطاً لمعنويَّاته، ونفخاً للرُّوح في نفوس المسلمين، ودفعاً لها لمزيد من بذل الجهد في سبيل نهضة تقوم بالبلاد، وترفع من شأنه، وتمحو من أبنائها آثار الاندحار والانهزام ....
ففي مقال آخر يتهكم ويسخر من فرنسا، التي تعدُّ نفسها ممدِّنة العالم ومعلِّمته، وناشرة لواء الحرية فيه، وأنَّها الأستاذة الكبرى لكلِّ من سلك هذا السبيل(1) … ومع ذلك فهي تخالف كلَّ ذلك، وتنتهك من الحرمات، وتخرق من القوانين، وتبدي من سوء المعاملة، ما يكشف عن غبائها وسذاجتها وسخافتها. فبقية المستعمِرين يعاملون المستعمَرين بأسلوب اللين وإرخاء البسط، وسياسة الشعرة، وهو أسلوب متطوّر في الاستعمار والتغليط والمكر، حسب نظر الكاتب: " قرأنا سير الإنكليز في الهند فوجدناهم بالغوا في إعطاء الحرية للأديان حتىَّ بلغوا حدَّ السخافة وسوّوا في تلك الحرية بين (قرَّاء البقرة) بالحقِّ وبين (عبَّاد البقرة) بالباطل، ويسَّروا سبيل الحجِّ، حتى اتسع معنى الاستطاعة"(2).
هذا صنيع الإنكليز مثلاً، بينما فرنسا لا تفقه في هذه السيرة والسياسة شيئاً. يعلِّق الكاتب على ذلك بما يشفي غليله من التهكم بفرنسا، ويما يطفئ غيظه من سياسة الاستعمار. وإن كان ذلك لا يتعدَّى كونه ترويحاً عن النفس، وتنفيساً عن القلب؛ إذ أنَّ لِمَا ورد من وجهة نظر الكاتب دلالة نفسية أكثر من القيمة الواقعية؛ لأنَّ إعطاء الحرية لا يفسَّر دائماً بما ذهب إليه الكاتب. بل لو تصرَّفت فرنسا حسبما قال هو لاتُّهمت بالغباء والسذاجة؛ انطلاقاً من سياستها المسطَّرة، وتبعاً لأهدافها
(1) البشير الإبراهيمي يعرِّض بفرنسا، ويصفها - في أكثر من موضع - بأنَّها أستاذة المثل العليا للإنسانية، وحامية حقوق الإنسان، وحاملة لواء الحرية، وزعيمة التحرير في العالم ومنارة العدل … ينظر على سبيل المثال، عيون البصائر، ص: 79 - 84.
(2) م. س، ص: 85. المقال بعنوان "فصل الدين عن الحكومة"، نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 83 (/ /1949م).