السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣٤المسجَّلة. لكنَّ منطقات الكاتب في تسجيل تلك الأفكار كانت من عقدة نفسية مع المستعمر الفرنسي؛ لذا كانت منه هذه الآراء الشاذة نوعاً ما: "في الدول المستعمرة من هي أبرع من فرنسا في فقه الاستعمار، ومن بلغت فيه رتبة الاجتهاد المطلق، وهي – مع ذلك- تعامل الإسلام بما يليق به من كرامة، وبما يستحقه من حرية، فهل هي في هذا جاهلة لأصول الاستعمار؟ وهل هي في هذا غافلة عمَّا في حريته من خطر؟ لا … وإنَّما هي في هذا أوسع نظراً، وأكثر تبصُّراً بالعواقب من فرنسا"(1).
تبدو أفكار الكاتب بعيدة عن الواقع، وتظهر غير منسجمة مع ما يجب على المستعمر تبنيه؛ لأنَّه ماء جاء إلى الجزائر، وما هيمن عليها إلاَّ ليطمس معالم الشخصية الإسلامية، ولذا فما كان عليه أن يهادن الناس، ولا ليلين قناته … ومن هنا تبدو سخرية الكاتب متكلَّفة غير مصيبة هدفها في النَّيل من الاستعمار. ولكن يبقى لها جانبها النفسي، من حيث بلِّ الغليل، وإزالةُ الحرقة، وإخراج ما في القلب من كمد، بهذه الشماتة وهذا التعريض بالمستعمر وادِّعائه إعطاء الحرية للجزائريِّين.
تبقى حوادث الثامن ماي 1945 وما بعدها مفرزة نتيجة واحدة، هي انعدام الحرية في الجزائر، واستحالة الظفر بها في ظلِّ سياسة الاستعمار، سواء في حالة لينه أم شدَّته. فقدان هذه الحرية، ويأس الناس من الفوز بها من المستعمر، الذي يعد بها ويُمنيِّ في كلِّ مرة يحزب فيها الأمر عليه، وفي كلِّ مرَّة يحتاج فيها إلى سواعد تعينه على صدِّ عدوان، وفي كلِّ موقف حرج يبحث فيه عن مخرج له منه … ثمَّ لا تكون وعوده بعد ذلك إلاَّ سراباً بقيعة. هذه الحالة دفعت محمد البشير الإبراهيمي إلى أن يوجِّه كلاماً ذا مغزى عميق إلى أبناء الجزائر، ويقدِّم إليهم لفتة وإشارة بالغة الأهمية: بأن لا يطلبوا الحرية من عدوِّ الحرية، مع شرح أسباب فقدان هذه الحرية، وعوامل حرمان الشعب منها: "يا ممسكي الأعنَّة إنَّ رَكوبة الباطل صعبة فلا تتقحَّموا، ويا مشرعي الأسنَّة أنَّه لا سهم في الجعبة فلا تتوهَّموا، ويا منتهكي الحرمات ما ماتت الحرية بينكم، ولكن الحُرَّ مَات، ويا ناشدي الحقِّ في مجامع
(1) م. ن.