السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٣٥

المبطلين … لا ردَّ الله ضالتكم، أتطلبون الفصَّ من اللصِّ، وتقيسون في مورد النص، إنَّ الحقَّ ينشدكم فلا يجدكم، فلا ترجون وجدانه، حين تطلبون نشدانه؟ التمسوه في صفوفكم المتفرِّقة وآرائكم المغرِّبة المشرِّقة، فإذا لم تجدوه فلا تلوموا الذئب على الافتراس، الأماني كواذب، وأكذب منها رجاء العدل من مستعمر"(1).

إذن فالحرية منعدمة في الجزائر؛ رغم تشدَّق الاستعمار بها، وادِّعاء ساسته توفيرها أو منحها الجزائريِّين؛ إذ لم يكن منه إلاَّ التنكيل بهم، والإعسار والإعنات، ومحاربتهم حرباً لا هوادة فيها، ولا محيد عنها. سجَّل الكاتب ذلك، ثمَّ عَرَضَ و عَرَّضَ ببعض العوامل التي ساعدت المستعمر على تشديد الخناق على الوطنيِّين، لخَّصها في قوله (التمسوه في صفوفكم المتفرِّقة … ).

ثم يزيد الكاتب هذه السياسة إيضاحاً، فيسرد مجموعة أعمال (جرائم)، قامت بها فرنسا لِتُثْبِتَ التزامها بوعودها، وتعلُّقها بالحرية، وتمسُّكها بالديمقراطية. مثلما أقدمت عليه سنة 1945م، ومكافأتها الجزائرييِّن (إحسانا) بعدما شاركوا في الحرب العالمية الثانية إلى جانبها؛ ممنِّين أنفسهم بالانعتاق ونيل الحرية، منتظرين ذلك اليوم المشهود، الذي بشَّرت به من فرنسا وعودٌ؛ لقاء ما يبذله الجزائريُّون في سبيلها من جهود وجهاد: "وظنَّ الجزائريُّ الذي شارك في الحرب بما له وحاله، وبمهجته – كما ظنَّ كلُّ الناس- أنَّه واصل إلى مراده، ومتقاضٍ أجرَ جهاده، وأنَّ الحرب – وهي نار - نقَّت القلوب من الدغل، ولكنَّ الاستعماركان كعقرب الشتاء تحسُّ وإن لم تتحرَّك، فسجَّل تلك الأصوات المطالبة بالحرية، وأسرَّ المكيدة في نفسه إلى يوم النصر الأخير، وأتى بها شنعاء صلعاء في حوادث 8 ماي 1945، وانطوى اليوم الذي أرَّخوا به لانتصار الديمقراطية؛ بتسجيل أكبر انكسار للدِّيمقراطية، وشاء القدر الواعظ أن يدخل الضيفان الحاملان للواء الديمقراطية إلى الجزائر، وفي كلِّ مسمع نغمة من الحرية، وفي كلِّ جانحة نشوة من الانعتاق، وفي كلِّ نادٍ ذكر من

(1) م. س، ص: 390. المقال بعنوان "ويح المستضعفين". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 118 (01/ 05/1950م).

٢٣٥ / ٤٩٤