السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٣٦

الديمقراطية، وأن يخرجَا منها، وفي كلِّ حيٍّ مأتم وفي كلِّ بيت نادبة. هذه أربع شهادات يشهدن أنَّ الخامسة أختهُن"(1).

سرد الكاتب أربع محطَّات أو أربع شهادات، تبيَّن وعود فرنسا للجزائرييِّن بمنحهم الحرية وإعطائهم حقوقهم: أولاها كانت في وزارة "كليمانصو" عقب الحرب العالمية الأولى، وآخرها أثناء الحرب العالمية الثانية. لكنَّ هذه الوعود كانت مجرَّد تهدئة للأعصاب، وامتصاص للغضب، وربح للوقت؛ إذ النتائج أثبتت انكسار الديمقراطية وانتكاسة الحرية. سجَّل الكاتب ذلك بشيء من التهكم والسخرية، ثم أنهى هذه الخاطرة وهذه المشاعر باقتباس صورة من القرآن الكريم، بعد تحويرٍ فيها بما يتناسب مع جوِّ السخرية والازدراء: "هذه أربع شهادات يشهدن أنَّ الخامسة أختهن"، ذلك أنَّ القرآن الكريم بيَّن أنَّه إذا اتَّهم الزوج زوجه بالخيانة، عليه أن يحلف أربع مرَّات أنَّه صادق فيما ذهب إليه، والخامسة أنَّ عليه لعنة الله إن كان من الكاذبين، وعلى الزوج أن تحلف أربع مرَّات أنَّ زوجها كاذب فيما ادَّعاه، والخامسة أنَّ عليها غضب الله إن كان صادقاً(2). فالخامسة في كلِّ مرة تخالف الأربع الشهادات السابقة عليها، لكنَّ خامسة كاتبنا في أعمال فرنسا هي من جنس الأربع الشهادات السابقة. بمعنى أنَّ الضيم سيستمرُّ، والقهر لا يرفع، والحرية لا تكون، ما دامت هذه الأساليب التي يمارسها المستعمر قائمة.

هذه الممارسات التي لا يسأل فيها الحاكم عمَّا يفعل، ويسأل فيها المحكوم عمّالم يقترف، تكشف عن هدف خبيث يرمي إليه المستعمر، وهو زرع بذرة احتقار المسلم الجزائري والاستعلاء عليه، وبثَّ روح الذلَّة والصغار والهوان في نفسه، والذي يجب: "تجريده من أسباب القوَّة والحياة بكلِّ وسيلة، وترويضه على الذلِّ حتى يطمئنَّ إليه، ويعتقد أنَّه كذلك خلق، أو لذلك خلق، فإذا سُلِب مالُه عَدَّ

(1) م. س، ص: 393.

(2) ينظر سورة النور، الآيات: 6 - 9، وتفسيرها، في ظلال القرآن، مج4، ج18، ص: 2491 - 2494.

٢٣٦ / ٤٩٤