السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣٧سلامته من الضرب غنيمة، وإذا ضُرِب جسمُه عدَّ نجاته من ضرب العنق منحة كريمة، وإذا تأوَّه للألم النفسي أو البدني عدَّ التأوُّه منه جريمة … "(1).
أيُّ حزن يغمر جوانح الكاتب، وأية كآبة تعلو نفسه، وأي أسىً يعمُّ كيانه، وهو يرى أو يشاهد هذه التصرُّفات التعسفية التي تمارس على شعبه وأمَّته، حتىَّ أصبحت الجزائر مدرسة قائمة بذاتها في فنِّ التعذيب والتنكيل، والتفنُّن في تعليم فنِّ الضرب وأساليب القهر: " … وأصبحت تجاربه الأولى في أبداننا، ولولا هدير وصخب الساسة لسمعتم أنين المكلومين، ولامتزج في آذانكم حفيف السياط بالصراخ والعياط"(2).
أية سخرية يحملها هذا النص وهو يتدرَّج في وصف الذل التي يتعرَّض لها الجزائري؛ وهو يحمد الله على ما ناله من العدوِّ، وأنَّ ما نجا منه كان أشد ممَّا أصيب به، فعليه أن يقبل بما يمارس عليه. في التعبير تعريض بممارسات المستعمر، واستثارة لنخوة الجزائري وإبائه، كي يثور على هذه الوضعية؛ فيبعد عن نفسه هذا الذل وهذا الهوان. وفي الوقت ذاته فيه تهكم بمن يرضى بهذه الحالة.
هذه الممارسات كادت تؤصِّل في القلب صفة الهوان والضعة، التي تؤدي إلى الاستسلام للعدوِّ والأمر الواقع. ولهذا دعا الكاتبُ نفسُه الشعبَ إلى النهوض لاستئصال جرثومة الاستعمار قائلا لهم: إن لم تفعلوا ذلك أصابكم الهوان والذل، فاستمرأتم هذه التصرُّفات، فتموت فيكم النخوة، وتنطفئ جذوة الوطنية. وكان التلميح والتلويح بهذه الفكرة بطريق خفيٍّ وبواسطة التندُّر والتعريض، رغم أنَّ الكلام موجَّه إلى الرأي العام العالمي، إلاَّ أنَّ فيه إشارة إلى المواطنين للثورة على هذه الممارسات: "وليوشكن إن تمادي زمنكم في التفنُّن ولم تبادروا جرثومة الاستعمار أن تستمرئوا لذَّة نيرون باحتراق روما، وأن يهاجر أبناؤكم إلى الجزائر للتخصُّص
(1) عيون البصائر، ص: 394. المقال بعنوان "حدِّثونا عن العدل فإنَّنا نسيناه". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 119 (15/ 05/1950م).
(2) م. س، ص: 407. المقال بعنوان "حدثونا عن العدل فإنَّنا نسيناه". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 121 (29/ 05/1950م).