السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٣٨

في فن التعذيب على أساتذته. نعم، نعم! ولا نكرر الفضل، إنَّ حرية الرذيلة من آفات زمنكم، وهي موجودة على أكمل وجه وأتمِّ حال في الجزائر"(1).

تلك هي حقيقة الاستعمار الذي يقدِّم لنا البشير الإبراهيمي هناته وبركاته، التي يتفضَّل بها على الأهالي والمواطنين؛ بناءً على أنَّه المتصرِّف في حياتهم وشؤونهم الخاصة؛ لأنَّه وصيٌّ عليهم وموكَّل، ولأنَّه الأعرف بما يصلح بهم وما ينفعهم.

يصوِّر الكاتب ذلك مرسلاً زفراته وحسراته ممزوجة بسخرية وتعريض بهذه التصرُّفات المشينة: " … هلمَّ إلى الدين تجد الاستعمار الذي كفر بالأديان يقول لك بصريح القول والعمل، أنا أحقُّ منك بالتصرُّف في دينك، فلا تدخل المسجد إلاَّ بإذني، ولا تصلِّ إلاَّ وراء إمامي، ولا تحجَّ إلاَّ برخصتي، ولا تصم إلاَّ على رؤيتي، ولا تزكِّ إلاَّ بعد استشارتي، ولا تضع زكاتك إلاَّ حيث أريد، لا حيث تريد. ومعنى هذا كلِّه نسخ آية من القرآن بآية من وحي الشيطان، ولم يبق إلاَّ أن تتلوها كما يريد (قل إنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للاستعمار)(2) وكذب الشيطان الرجيم، وأفك الاستعمار الذميم"(3).

السخرية تبدو في التكثيف الذي ضمَّنه الكاتب بعض الألفاظ كلفظة "كفر"، والتعريض بما يدَّعيه المستعمر من التحكُّم في شؤون المسلمين ودينهم، الذي كفر به، ويبدو التهكُّم في ذكر النتيجة التي يوصل إليها هذا الموقف وأشباهه، وهو نسخ آية قرآنية بآية من وحي الشيطان. وليس الشيطان سوي الاستعمار في نظر الكاتب.

انطلاقًا من هذه القاعدة، وهي امتلاك الاستعمار حقَّ التصرُّف المطلق في شؤون الأهالي، فإنَّ الأعنَّة تكون مشرعة، والأيادي تكون مطلقة للعبث بالشعب، ومعاملته بما يشير به الهوى، وتدعو إليه المصلحة؛ لذا كثرت الاعتداءات والتجاوزات. كشف عن بعض ذلك الشيخ البشير الإبراهيمي، وعدَّ ما كانت

(1) م. ن.

(2) يقول الله تعالى: ﴿قُلِ اِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَآي وَمَمَاتِيَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ سورة الأنعام، الآية: 162.

(3) عيون البصائر، ص: 395. ينظر الفكرة نفسها معروضة بالأسلوب عينه، المصدر ذاته، ص: 84، 85.

٢٣٨ / ٤٩٤