السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٣٩

تجهِّزه فرنسا، وما كان يعدُّه الاستعمار هو حملة حربية حقيقية على شعب أعزل، وسجَّل أنَّ ما فعلته فرنسا في الشعب الجزائري هو أكثر شناعة ممَّا فعله فرعون، من تقتيل الرجال وتذبيح الأبناء واستحياء النساء، بل إنَّ فرعون لو أطَّلع على وحشية أعمال فرنسا لافتخر أنَّه لم يصل إلى غاية الوحشية والتنكيل: "وقعت حوادث 8 ماي 1945م المريعة، ودارت رحاها في سطيف وخرَّاطة وقالمة، وانجلت عن تلك الفضائح الوحشية التي تكفي وحدها لتلطيخ تاريخ فرنسا بالسواد؛ من تحريق للديار وإتلاف للثمار، ونهب للأموال، وتقتيل للرجال، وتذبيح للشيوخ والنساء والأطفال، وانتهاك للحرمات الإنسانية ممَّا لو رآه فرعون لافتخر بفوات ما فاته منه، فقد كان يذبِّح الأبناء ويستحي النساء"(1).

هذه الفضائح المتكرِّرة، التي كانت بدايتها في حوادث 8 ماي 1945م جعلت العقلاء يفهمون أنَّ تلك الحوادث هي عنوان على كتاب كبير من الجرائم، وأنَّها أمثلة من قاعدة عامة، يؤمن بها المستعمر: "وهي أنَّ دم المسلم هدر، وعرضه مباح، وماله فيْءٌ، ودينه لهو ولغته لغو، ومنظره قذى وبدنه هدف تدريب على الضرب، وصراخه من الألم نغمات موسيقية"(2).

هذا الاستنتاج الذكيُّ المتسربل بثوب السخرية والتهكم يحمل دلالات كثيرة، ويكشف عن معان عميقة. أبرزها التعبير عن هذا الجرح الأنكى، الذي تجذَّر وتعمَّق في جسم الشعب الجزائري؛ بسبب هذا التعسُّف وهذا الظلم، اللذين لا حدَّ لهما ولا نهاية. ومن هذه المعاني أيضاً تنبيه الشعب إلى الثورة، وإلى مزيد من بذل الجهد في النضال والمقارعة؛ ما دامت الأمَّة الجزائرية مستهدفة، لأنَّ العدوَّ لا يفهم إلاَّ لغة القوَّة. وقد لحن الكاتب إلى ذلك ولمَّح تلميحاً بهذه السخرية، التي هي لفتات وإشارات إلى الحقوق المسلوبة، وإلى واجب العمل على استردادها ولهذا قيل: "إنَّ هذه السخرية لفتات مستمرَّة، تنبِّه الأذهان إلى الحقِّ الضائع، وتجدِّد

(1) م. س، ص: 410. المقال بعنوان "ويحهم أهي حملة حربية". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 146 (12/ 03/1950م).

(2) م. س، ص: 411.

٢٣٩ / ٤٩٤