السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٤١ومرارة على حال المستضعفين المقهورين، قائلا: " … وأن تحفظ كلَّ كلمة تقرؤها في الصحف الفرنسية الرسمية عن الحرية، ولكن حذارِ أن تهتف بالحرية، حذار أن تكتب عن الحرية، حذار أن تشارك في مظاهرة للحرية، ولو في عيد الحرية، فالواقع الأليم يحذِّرك هذا التحذير، ويزيل عنك ما أصابك من التخدير بما تسمعه وتقرؤه عن الحرية والتحرير، إذ تتعرَّض لما تعرَّض له أمثالك من الهائمين المخدِّرين، الذين قاموا يشاركون يوم 14 جويلية 1953م في عيد الحرية بباريس"(1).
نقرأ في عبارات الكاتب أسىً عميقاً، ونكشف عن نفس حزينة وقلب مكلوم، تطلب وترجو الوطنييِّن وذوي الإحساس الرهيف الصادق أن لا يفكِّروا في الحرية بأية طريقة ووسيلة؛ حتىَّ المشاركة في الاحتفال يوم عيدها؛ شفقة عليهم أن يصابوا بانتكاسة نفسية تطيح بهم، وتنال منهم؛ لأنَّهم سيصطدمون بوجود فارق كبير مهول بين المطامح والمنجزات، بين الأماني والحقائق، بين الأقوال والأفعال … هذه الشفقة هي شفقة تهكم وسخرية، إذ هي تعرِّض بالذين يقولون ما لا يفعلون، ويعيشون على تخدير الشعوب وتنويم الناس(2).
الواقع المعيش جعل الكاتب يبكي ويضحك في آن واحد. يبكي على حال الوطنييِّن المزرية، وهم يعلِّقون تحقيق حريَّتهم على يد المستعمر الكذَّاب المخادع، الذي يلعب بهم وبمشاعرهم، هذا التلاعب كشفته تصرُّفاته، وتصريحات قادته. ويضحك من هؤلاء الأفَّاكين والكذَّابين، الذين خدَّروا الشعوب بأمثال هذه الممارسات. فاختلطت في هذه السخرية الدمعة بالضحكة الهازئة؛ نتيجة هذا التناقض المتجذِّر في عمق الحياة الجزائرية؛ التناقض بين الأقوال والأفعال، بين
(1) م. ن.
(2) هذه اللهجة نفسها، وهذا التحليل ذاته، وهذه التعليقات عينها، سجَّلها الكاتب نفسه في مقال له تحت عنوان "قمع فظيع وغضبة مقدَّسة". ينظر جريدة المنار، ع: 11 (14/ 11/1952م). ينظر أيضاً أبو اليقظان "تحويسة مجَّانا"، جريدة البستان، ع: 8 (20/ 06/1933م). ومفدي زكرياء، كتاب مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة، ص: 252. المقال بعنوان "على هامش عيد الحرية بالجزائر تعاليق وشروح". نشر في جريدة النهضة (تونس)، ع: 4412 (02/ 08/1937م).