السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٤٢المطامح والمنجزات. هذا التناقض هو الذي أوجد سخرية الكاتب، التي تندرج ضمن فكاهة أية حضارة والتي تكون "نتائج المتناقضات ذات الجذور العميقة المتأثِّرة بالحياة ذاتها، من نحو التناقض الغريب بين مطامحنا ومنجزاتنا"(1).
الواقع المرُّ الحزين جعل الكاتب يعمد إلى تكرير كلمة "الحرية" في كلِّ جملة، وفي هذا التكرار دلالة نفسية عميقة؛ ففيه كَشفٌ عن تعقله بالحرية وهيامه بها. ولما كانت متمنِّعة عنه كان يروِّح عن نفسه، ويسلِّيها بالتلفُّظ بها ولو إلى حين.
لمزيد من الكشف عن الحقائق، وهذه الممارسات التعسُّفية في الجزائر، ولزيادة فضح هذه الأساليب البشعة في التعذيب والتنكيل بالوطنيين، وحرمانهم من الحرية، لجأ كاتب إلى أسلوب التعريض؛ ليظهر من خلاله سخريته وحزنه ممَّا يشاهد من هذه الجرائم، التي فاقت كلَّ تصوُّر وتقدير، فقال: "لست أدري إن كان (مسيو سوستيل)(2) الوالي العام الجديد، قد أطَّلع على "كتاب الأدغال" الشهير الذي ألَّفه كاتب الإنكليز الأكبر "كيبلنج"، لكن سواء كان قد قرأه أولم يقرأه، فقد أتاحت له الأقدار فرصة لمعاينة كتاب "الأدغال" من نوع جديد، يجد فيه الأستاذ المبرَّز في علم الفلسفة مجالاً فسيحاً للبحث والدراسة، ويكشف فيه عالِمُ السلالات البشرية نوعاً جديداً من أصناف البشر، قضى عليه شيرخان الغابة الخبيث أن يعيش على هامش العالم الإنساني، وأن ينزع من بين جنبيه كلَّ ما يتمتَّع به البشر من عاطفة وإحساس وتطلُّع إلى السموِّ والتسامي، فكتاب الأدغال الجديد هو قطر الجزائر و"شيرخانه" الخبيث الخسيس هو الاستعمار"(3). هذا التعريض وما يحمله من سخرية يلخِّص لنا سياسة الاستعمار مع الشعب الجزائري، القائمة على البطش والفتك والغدر.
وفي سبيل تجسيد هذا التهكم عمد الكاتب إلى كلمات وعبارات القدح والشماتة بالحاكم الفرنسي "سوستيل"، الأستاذ المبرز في الفلسفة، الذي كان من
(1) صفاء خلوصي "الضحك في الأدبين العربي والغربي"، مجلة العربي (الكويت)،ع: 34 سبتمبر 1961، ص: 104.
(2) جاك سوستيل كان مقيما عاماً للجزائر في بداية الثورة. له مؤلفات عن القضية الجزائرية.
(3) "كتاب الأدغال" (د. إ)، جريدة البصائر الثانية، ع: 306 (18/ 02/1955م).