السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٤٣

المفروض أن يهديه فكره وعقله إلى التعقُّل والتروِّي والتبصُّر في معاملته الأهالي. لكنَّه خالف طبيعته؛ فارتكب جرائم وجرائر؛ لأنَّ روح الغدر والانتقام والبطش تسيطر على نفسه. أنَّه عالم السلالات البشرية، الذي يكشف صنفاً جديداً من الناس، الذين يخرجون عن الطبيعة البشرية؛ لذا فهو يحكم عليهم أن يعيشوا على هامش الحياة، وعلى غير عادة البشر، فاقدين الإحساس، محرومين من المشاعر، محجَّراً عليهم التطلُّع إلى الأعلى، والتفكير في الحسن فضلاً عن الأحسن. إنَّ هذه الممارسات هي سياسة الاستعمار "شيرخان الغابة" الذي يهيمن على كلِّ شيءٍ، أليس ذلك هو كتاب الأدغال من نوع خاصّ؟ في هذا التعبير وهذا التصوير تكمن السخرية الحزينة.

هناك نصوصٌ كثيرة تبيِّن حقيقة الحرية التي يتبرَّع بها المستعمر لمن هو تحت سيطرته، وهو ما جعل أصحابها يدعون إلى كسر قيود هذه الحرية. وقد اتَّخذت هذه الدعوات أشكالاً، وتلبَّست بألبسة متنوِّعة، وظهرت بمظاهر مختلفة … وكلُّها تدخل في إطار الحملات الإعلامية والتوعية للنهوض والعمل على تدارك الأمر.

فـ"الحفناوي هالي" كتب تحت عنوان "أحبُّ عيش الحرية"(1) ساخراً من نوع الحرية المتوفِّرة في الجزائر. وقد كانت حقيقة الحرية لا تعرف عند المواطنين إلاَّ بالسماع، أمَّا تطبيقها فلا وجود له في عالم الوجود. فحين يعلن أحد الحاضرين في الندوة أنَّ الحرية معروفة لديه، ويلوم الكاتب لعدم معرفته حقيقة الحرية، يردُّ عليه: " أعني أنَّني إلى الآن ما زلتُ وما زِلتَ، وما زلتُم جميعاً، لا نعرف من الحرية إلاَّ ما يعرفه ابن الوزير السجين، الذي لم يرَ من الدنيا إلاَّ الفأر … لقد ولدنا في سجن كذلك الطفل، وعرفنا من الحرية ما عرفه الطفل من الدنيا، ولذلك كان للناس الحرية في أن يتحرَّروا، وكان لنا الحرية في أن نتفنَّن في أساليب العبودية، وعلى

(1) في عدد: 305 من جريدة البصائر الثانية، وفي ختام مقال كان قد نشره الكاتب نفسه في ركن "ندوتي" ذكر أنَّ محاوره سمع في المذياع بهذا العنوان، فطرب لها، فقال للكاتب: إنَّه موضوع طريف، فليكن محور الندوة المقبلة. وافق الكاتب على ذلك وفعلاً استهلَّ به ندوته في العدد اللاحق.

٢٤٣ / ٤٩٤