السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٤٤

ذلك فحرية القول – مثلاً- هي عندهم أن تفكِّر وتقدِّر ثم تفكِّر وتقدِّر ثم تقول – مع احتياط- قليلاً من القول؛ لأنَّك تتحدَّث أو تكتب لأناس حازت عقولهم مناطق حريتها، ولا يسمحون لعقلك باحتلالها، لتتركهم بلا عقول"(1).

وظَّف الكاتب مشهداً قرآنياًّ، تمثَّل في الصورة التي ظهر بها الوليد بن المغيرة المخزومي- وهو من سادات قريش، وآراؤه وسيرته تؤثر في الشباب - وقد أبدى إعجابه بالقرآن الكريم، ولمَّا عاتبته قريش على ذلك، بدأ يقلِّب وجهات النظر، ويبدئ ويعيد فيها، ويعصر فكره ويقدِّر؛ ليقول كلاماً يُرضي به قريشاً، وفي الوقت نفسه يدنيه من حقيقة ما يعتقده في قلبه حول فصاحة القرآن وبيانه … نطق فقال: ﴿إِنَّ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ يُّوثَرُ إِنْ هَذَا إلاَّ قَوْلُ الْبَشَر﴾(2).

توظيفه هذه القصَّة يحمل سخرية وتهكماً بالغين ممزوجين بأسى وحزن كبيرين؛ يعبِّر عن فقدان الحرية في الجزائر، مع التحرُّز من الإفصاح عن ذلك، حذراً واحتياطاً من اكتشاف المستعمر مقاصد الكاتب من تلك النداءات التي ضمَّنها نصَّه، ومن ذلك التوجيه الذي خصَّ به المواطنين. فالكاتب كان يبحث – بهذا التهكم - عن صيغة تجمع بين التمويه على العدوِّ وإيصال النداء إلى المواطنين.

وقد زادت السخريةَ اتِّضاحا والمشاعر الحزينةَ افتضاحا هذه العبارةُ، التي أجاب بها الكاتبُ الذي لامه على عدم معرفته معنى الحرية (ما زلتُ وما زلتَ وما زلتُم جميعا .. )، في تصريف الفعل، وتكريره تعبير عن الأسى والحزن والكمد الدفين في القلب، وقد ضخَّم منها أيضا غفلة الناس وتخلُّفهم في معرفة حقيقة ما يراد بهم، وفقه طبيعة الحياة التي يحيونها، إذ القوم يعيشون حياة تعسة نكدة، مضيَّقاً عليهم، ويظنُّون أنهَّم يتقلّبون في سعادة ويرفلون في حرية.

فنصُّ محمود بوزوزو الذي كتبه سنة 1953، أي قبل اندلاع الثورة التحريرية الجزائرية ونصُّ الحفناوي هالي المكتوب سنة 1955 أي بعد قيام الثورة،

(1) الحفناوي هالي، "ندوتي: أحبَّ عيش الحرية"، جريدة البصائر الثانية، ع (18/ 02/1955م).

(2) سورة المدثِّر، الآيتان: 24، 25. ينظر القصة مفصَّلة، تفسير ابن كثير، ج7، ص: 156 - 158.

٢٤٤ / ٤٩٤