السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٤٥يتَّفقان في الفكرة، وهي فقدان الحرية في الجزائر، ويتَّفقان في تسجيل نوع الحرية الممنوحة للجزائرييِّن، وهي حرية مقيَّدة، ويبيِّنان معًا أنَّ ما كان يمارسه المستعمر هو أسلوبٌ خاصٌّ، استعمله للتَّمويه والتخدير، وليمرِّر به مؤامراته ومخطَّطاته على الجزائرييِّن، لذا اتَّفق الكاتبان على دعوة الشعب - سخرية وحسرة - إلى عدم التلفُظِ بالحرية، وعدم المشاركة في كلِّ ما يمتُّ إليها بصلة؛ تعريضاً بالحرية المزيَّفة التي يمنحها العدوُّ للجزائريين، وتنبيهاً إلى عدم التمسُّك بالسراب الخادع، لأنَّ ما يقدِّمه المستعمر ليس حرية حقيقية.
هذا التنبيه يحذِّر الجزائريِّين من تقديم مزيد من التنازلات للعدوِّ، مقابل هذه الممنوحات المدغولة، كما ألف ذلك في مختلف مراحل وجوده في الجزائر. ومن شأن هذا التنبيه أن يوقف الشعب على حقيقة ما يراد به، فيستعدَّ بكلِّ حماسة ووعي لاسترجاع الحرية المسلوبة بقوَّة وشجاعة. كما يكشف النصان عن التعنُّت الاستعماري الذي لا تنهيه إلاَّ القوَّة وشدَّة المقاومة. هكذا تصل السخرية والتعريض إلى هدفهما، وهو التعبئة والتوعية العامة.
هناك مجال آخر يبدو فيه تعسُّف وحيف كبيران، إنَّه ميدان الانتخابات؛ إذ أنَّ ما يسبقها (أي الانتخابات) من أعمال وتحرُّكات مريبة، تشحن الجوَّ وتوتِّره، تجعل الأدباء يسجِّلون ملاحظاتهم وانطباعاتهم، ويفصحون عن مشاعرهم بكلِّ مرارة وحسرة مع السخرية من المسؤولين الفرنسيِّين، ومن أسلوبهم في توجيه الانتخابات. وكان "م. نيجلان"(1) ممَّن عرَّض به وبنشاطه في انتخابات المجلس الجزائري، وبكيفية تزويره لهذه الانتخابات، وبسعيه في تحقيق النتيجة التي يريدها. إذ قد كان يستعمل في سبيل ذلك أذنابه من "الأميار" والباشاغوات وحكَّام الأحواز، الذين يطبخون له هذه الانتخابات حسب مذاقه.
(1) الوالي العام للجزائر في الأربعينيَّات وبداية الخمسينيَّات، كان مشهورا بالتزوير في الانتخابات، حتى أصبح مضرب المثل في ذلك.