السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٤٧

ج - النيابة والمجلس الجزائري:

ممَّا يدخل في أعمال الحيف والظلم، التي أضرَّت بالجزائريين كثيراً ممارسات من نوع خاصٍّ، كانت تقوم بها فرنسا لضرب الحركة الوطنية والكفاح الوطني، تتمثَّل في إقامة تنظيمات سياسية واجتماعية، ظاهرها إعطاء الجزائريِّين الفرصة للتمتُّع بالحرية، وباطنها خنق هذه الحرية وحرمان الشعب منها. وذلك بوضع أشخاص معيَّنين فيها، معروفين بولائهم لفرنسا، وآخرين يسيرون في ركابها، وينفِّذون سياستها. هؤلاء تفرزهم الانتخابات المزوَّرة والمغشوشة. وإذا لم يكن هذا ولا ذاك فإنَّ الحيف يتمُّ بسنِّ قوانين وإجراءات، تمنع المخلص من النواب لوطنه من التحرُّك والنشاط بحرية، طبقاً لما يمليه عليه ضميره، وتفرضه عليه مسؤوليته التي رفعه إليها أبناء وطنه.

من هذه المخازي وهذا الظلم ما يصدر عن المجلس الجزائري، وما تنتجه الانتخابات التي تجري في جوٍّ خاصٍّ، وبأسلوب معيَّن، وما تفرزه النيابة، التي تنشط بهذه المعطيات، وتتحرَّك طبقا لهذه الضوابط. وكم جنت النيابة على الجزائر بسبب ذلك. هذه الوضعية تعرّض لها الأدباء بشيء من السخرية وعدُّوها استكمالا لفصول التنكيل والظلم(1).

كثيرًا ما ترشِّح الحكومة لمجالس النيابة أشخاصاً أمييِّن، لا يعرفون حتىَّ وضع إمضاءاتهم على الورق، بل أكثرهم لا يفقه ولا يعي المسائل التي تناقش أمامه، ولا يعرف كيف يتصرَّف مع الموضوعات التي تعرض عليه، لقصور تفكيره، ولجهله اللغة العربية التي هي لغته الأصلية، ولعدم حَذْقِهِ اللغة الفرنسية، التي هي لغة التخاطب في هذه المجالس. وكثيرا ما يقترع النائب على مشروعات تضرُّ به من حيث لا يدري؛ لتمتُّعه بالجهل والأمية الكافيين لإذلاله. هؤلاء النواب تختارهم الحكومة ليدافعوا عن حقوق الأمَّة، ويفكِّروا في مستقبلها.

(1) خاصَّة في فترة ما قبل الثلاثينيَّات. ينظر تفاصيل عن حالة النيابة في الجزائر في هذه المرحلة، المقالة الصحفية الجزائرية … مج1، ص: 345 وما بعدها.

٢٤٧ / ٤٩٤