السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٤٨كتب محمد السعيد الزاهري في هذا، يتهكَّم ويسخر من شخص صوَّت ضدَّ نفسه وهو لا يدري: "لقد حدث أنَّ البلدية عزمت على أن تقطع مرتَّباً قدره مائة وخمسون فرنكاً، كان يتقاضاه نائب أهليٌّ، فجمعت الأعضاء لهذه المهمَّة، فوافقوا جميعاً على قطع هذا المرتَّب، ووافق معهم هذا العضو الأهلي النائب على ذلك، ولماَّ جاء الوقت الذي كان يقبض فيه، طلب مرتَّبه، وألحَّ في طلبه إلحاحاً جاهلاً، وأنكر كلَّ إنكار أن يكون وافق على قطع رزق له … "(1).
هذا المثال الذي ضربه الكاتب لضعف التمثيل النيابي، الذي يبديه النواب الأهليُّون، يفصح عن الحسرة التي يُحِسُّ بها في ضرب مصالح الأهالي، وتضييع حقوقهم، ويكشف في الوقت نفسه عن المقت والكُره، اللذين يحملهما لهؤلاء النواب(2). وقد اختار هذا النموذج الساخر، ليكشف بواسطته تفاهة هؤلاء الناس الأغرار، الذين يحرِّكهم الاستعمار كيفما يشاء. وبهذا ينبِّه الناس إلى عدم الاطمئنان إلى هذه السياسة التي تمارسها فرنسا لهدف تفويت الفرص على المسلمين للمطالبة بحقوقهم.
ممَّن تصدَّى للنواب بقوَّة أحمد رضا حوحو، الذي كان يحاربهم، ويكشف عن أعمالهم، ويبرز ذلَّهم وتقاعسهم في أداء واجبهم نحو أمَّتهم. وقد كان ذلك على صفحات جريدة "الشعلة" بخاصة "التي كان يصدرها، حيث أنَّه لا يكاد يخلو منها عدد واحد من أخبار ساخرة عن النّواب وتعاليق لاذعة، يلسعهم بها، وأشعار فصيحة وعامية، تهزأ بهم، وتصوِّرهم تصويراً كاريكاتوريًّا في غاية السوء"(3).
ومن الأدباء الذين كتبوا كثيرا في الموضوع أيضاً قدُّور بن محي الدين الحلوي،
(1) المقالة الصحفية الجزائرية … مج1، ص: 353. المقال بعنوان "العربية والنواب" نشر في جريدة البرق، ع: 18 (11/ 07/1927م).
(2) ينظر هذه المشاعر والأحاسيس ما كتبه شعراً، جريدة الإصلاح، ع:6 (24/ 10/1929م).
(3) أحمد منُّور، "مسرح أحمد رضا حوحو، دراسة أدبية تحليلية مقارنة" رسالة ماجستير (مخ)، معهد اللغة والأدب العربي، جامعة الجزائر سنة 1409هـ/1989م، ص: 163، 164.