السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٤٩وقد حرَّر مقامات كثيرة تنديداً بالنواب، بأسلوب لم يخل من السخرية والتهكُّم(1).
من أمثلة خيبة أمل الجزائريِّين في هذه النيابة ما سجَّله الشيخ البشير الإبراهيمي، من تلاعب الحكومة الفرنسية بمشاعر المسلمين، وتفنُّنها في الاستهزاء بعواطفهم، والضحك عليهم، والإبقاء عليهم في دائرة الوعود والأماني، والأقوال. من ذلك ادِّعاؤها فصل الدين عن الدولة، وعدم التدخُّل في شؤون الديانة. إلاَّ أنَّها تخالف ذلك، وتستحوذ على أوقاف المسلمين والمساجد، ولا يستطيع المجلس الجزائري - الذي أنشأته الحكومة الفرنسية للقيام بمهمَّات التشريع - عمل أيِّ شيء في هذا المجال؛ رغم أنَّها ضمنت فيه للجزائريِّين مقاعد، لكن بطريقتها الخاصة.
سجَّل الكاتب ذلك كما يأتي: " … وقد مرَّت على هذا المجلس سنتان، وعرفنا من أعماله وبرامجه اليد التي توجِّهه، والريح التي تسيِّره، والجهة التي يتَّجه إليها، وصدق كلُّ ما قلناه فيه، وأن عسى أنْ يهبط عليه الوحي في لحظة، فيتناول مسألة فصل الدين الإسلامي بآراء مسيحية، وأفكار لائكية، وعقول بين ذلك، ثم ينتخب لدراسة الموضوع مقرِّرين مسيحييِّن أو لائكييِّن أو ما شاء الهوى … ويا ضيعة الإسلام بين الأهواء"(2).
السخرية في النص تكمن في هذا التعريض بهذه التركيبة البشرية، التي ستدرس مسألة فصل الدين عن الدولة بآراء مسيحية، لا ترى مصلحتها في بقاء الإسلام على وجه الأرض، وبأفكار لائكية، لا تدين بأيِّ دين، بل ترى الدين أفيون الشعوب، يجب القضاء عليه، ثم بعقول تتأرجح بين هذا وذاك. وأخيراً تكون صياغة التقرير
(1) ينظر مثلا "النائب يتقلَّب" و "مقامة النائبة المبلس" و "النائب يتزبَّب قبل أن يتعنَّب" … جريدة المرصاد، الأعداد: 56 (25/ 08/1933م)، 59 (14/ 09/1933م)، 60 (/09/ 1933م)، 61 (05/ 10/1933م). ينظر أيضا أحمد بن عاشور "الرجلان والدبُّ الأبيض"، البصائر الثانية، ع: 94 (07/ 11/1949م)، فيه حديث ساخر عن النائب المستقلِّ في المجلس الجزائري، الذي لا يفكر إلاَّ في بطنه الفضفاض، ولا يهتم إلاَّ بما يفترس.
(2) عيون البصائر، ص: 91. المقال بعنوان "فصل الدين عن الحكومة".نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 87 (13/ 07/1949م).