السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٥١الاستعمار إلى الحكومة وحياً متتابعاً، لا فترة فيه، فإذا تلقَّت الوحي، ونزل به الروح الخبيث على قلبها، نجمته على فترات، وأوحت في كلِّ فترة إلى أوليائها ما يثير شرًّا، أو يوقظ فتنة، وقد أصبح المجلس الجزائري اليوم متنزَّلَ وحيها، فلا تمضي فترة إلاَّ وأوحت إليه شيئاً من ذلك النَّوع، الذي يثير الشرور، أو يوقظ الفتن"(1).
كرَّر الكاتب لفظة "الوحي" بمختلف مشتقاتها ستَّ مرَّات في هذه الفقرة، وفي النص كلِّه تسع مرَّات، ليعبِّر عن ضجره وقلقه من سياسة الحكومة الفرنسية في التعامل مع الدين الإسلامي، وعن أسفه على عدم قدرة المجلس الجزائري القيام بمهمَّاته في تحقيق مطامح الشعب، وفي الوقت نفسه يسخر منهما ويتهكم بهما؛ لكون ما يأتيانه من سلوك هو من وحي الشيطان الرجيم، ومن وحي الروح الخبيث، الذي يوحي إلى أوليائه ما يثير الشرَّ ويحرِّك الفتن. بدل أن يكون روحاً أميناً كما قال تعالى عن جبريل الذي كان ينقل عن الله إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بكلِّ أمانة ما يبلِّغه للناس وينذرهم به(2).
يضرب الكاتب – بعد ذلك - أمثلة أخرى لهذا الوحي المفاجئ، الذي يجيء للمجلس الجزائري، بعد سكوت طويل، ومماطلة كبيرة، في بحث قضايا المسلمين وانشغالاتهم. هذه المرَّة يكون نصيب هذا التفكير وهذه العناية مسألة القضاء الإسلامي التي: "نزل بها الوحي المفاجئ مستورة بجلباب شفَّاف، وهو كلمة الإصلاح، التي عنونوها بها، وتلهَّى المجلس أسبوعاً أو يزيد، ووقع النقاش في حواشيها، وفي صميمها واختلف الرأي، واشتدَّ الجدال، وافترق المجلس فيها معسكرين، يحرِّك كلُّ واحد منهما الدالان، وقالت النَّظَارة إنَّ الأمر جدَّ، وإذا بالوحي ينزل مرَّة أخرى بالنسخ أو بالفسخ، والنسخُ قبل إمكان العمل جائز عند الأصولييِّن، قائم الشواهد من الواقع، وإذا القضية كأنَّها تدريب على لعبة، لا بحث في قضية جدية"(3).
(1) م. ن.
(2) عيون البصائر، ص: 120.
(3) قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُو لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ سورة الشعراء، الآيات: 192، 193، 194.