السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٥٢

بناء … ما دام الوحي ينزل على المجلس الجزائري من الشيطان، الذي ينزعه، فيتحرَّك، فإنَّ كلَّ تصرُّفات هذا المجلس وتحرُّكاته، وإفرازاته لا تكون إلاَّ من نوع أعمال الشيطان، ولا تكون أبداً في صالح المواطنين. فهو يسكت طويلاً، ويتغافل عن قضايا المواطنين. وإذا خرج عن هذا الصمت. لا يكون دافعه في ذلك سوى مصلحة أو غرض ذاتي يتماشى مع سياسة من يُسيِّر هذا المجلس. لهذا يتهكم الكاتب بأعمال هذا المجلس، حين يتحرَّك ليناقش قضايا المواطنين ومسائل الإسلام، إذ يرى أنَّ ما قرَّره المجلس في مسألة القضاء الإسلامي من إصلاح إن هو إلاَّ تمويه وتضليل، لفَّه هذا الوحي وستره بهذا الجلباب الشفَّاف، وهو لباس الإصلاح. كما أنَّ هذا المجلس أشغِلَ بالتفكير في هذه المسألة أسبوعاً كاملاً؛ تزجية لوقته، وإذكاء لروح الصراع والخلاف بين أعضائه. وقد أفرز فعلاً معسكرين يحرِّك كلاًّ منهما (الدالان)؛ ليكون هذا الصراع، وهذه النتيجة سبباً في العبث بالقضية، بالنسخ والفسخ لكلِّ ما يُتوصل إليه. هكذا تكون الفرصة سانحة للحكومة الفرنسية لتوجِّه القضايا الإسلامية حسب هواها ومصلحتها.

ويزيد الكاتب النص تهكماً وسخرية، حين يستدلُّ على ما تقدم علينا فرنسا في هذه المواقف، وهو إلغاء ما يتوصَّل إليه من نتائج حسب ما تراه هي، يستدلُّ على ذلك بحكم شرعيٍّ إسلامي، وهو قول الأصولييِّن "والنسخ قبل إمكان العمل جائزٌ" وهو تعريض مقذع بالطرفين الفرنسي وأعضاء المجلس معاً. ومن ثمَّ تكون مناقشة القضاء الإسلامي بهذه النظرة وبهذا الأسلوب، كأنَّها "تدريب على لعبة، لا بحث في قضية جدية" كلُّ ذلك لأنَّ ما قام به المجلس هو وحي من الشيطان.

والسخرية تكمن أيضاً في هذا الوصف الدقيق المسجِّل لتحرُّكات المجلس في مناقشة القضاء الإسلامي، وفي طريقة معالجته له؛ بما يكشف عن عدم تحمُّس الحكومة والمجلس للموضوع. وبهذا الوصف الساخر تنكشف نفسية الكاتب المنقبضة والمتذمِّرة من تصرُّفات الحكومة التي توجِّه المجلس كما تشاء، والغاضبة على ضعف التمثيل النيابي في الجزائر.

٢٥٢ / ٤٩٤