السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٥٣

بناءً على ما ذكره محمد البشير الإبراهيمي لوحظ أنَّ الناس يئسوا من تحقيق أهدافهم، ونيل حقوقهم من هذه النيابة وممَّن يمثِّلها؛ إذ لا نوَّاب ولا نيابة في الجزائر بالمعنى الذي تعرفه الأمم والناس، وتعرفه فرنسا نفسها "أمُّ الشعوب النيابية في العالم" إنَّما هذه النيابة: "وظائف توزِّعها الحكومة على أعوانها، وتضع عليها هذه الأسماء تمويهاً وتغليطاً، وتغطِّيها بأقلية ضئيلة من النواب الأحرار، تمهيداً للغدر، وتعويذاً من العين، ودفعاً للتهمة وقالة النقد، فإذا اجتمعت هذه المجالس ليوم الفصل في المشكلات، أو ليوم الرأي في المعضلات، لم تجد نواباً ولا رأياً، ولكنَّك تجد الحكومة تتحكَّم وتسيطر وتوجِّه، وتملي، ثم لا يكون إلاَّ رأيها"(1).

يكثر محمَّد البشير الإبراهيمي من ضرب الأمثلة على غياب التمثيل النيابي للشعب في المجلس الجزائري، وعلى عدم استفادة الوطن والإسلام من هذه النيابة. يعرض – هذه المرَّة - لقضية فصل الدين عن الحكومة، التي كتب فيها عدَّة مقالات(2)، يطالب فيها الحكومة والمجلس البثِّ فيها، لكنَّهما لم يستجيبا حتى أصبحت المسألة "القضية ذات الذنب الطويل". ولما جاءت خاطرة من وحي الشيطان، تحرَّك الجميع لبحث القضية، ولكنَّ هذا التحرُّك كان مرتبطاً بمصالح الحكومة وبظروفها، التي أجبرتها على فتح باب المناقشة في الموضوع. سجَّل الكاتب هذه المبادرة وهذه الطريقة التي تمَّت بها بشيء من السخرية والتهكم: "وبَادَرَ المجلس فألَّف اللجنة التي تنظر القضية وتبحثها، وَنشَرَ أسماء رجالها من القسمين، وتسامح في هذه المرَّة فأدخل في اللجنة رجالاً كانوا مذودين عن حياض اللجان، فكأنَّ طائفاً من الديمقراطية طاف بهذا المجلس، أو كأنَّ خاطرة من الوحي تنزَّلت عليه أو كأنَّ هاتفاً من وراء الغيب هتف به أن أثبت وجودك … فإن استطاع المجلس أن ينقل القضية من ذيل الجدول إلى رأسه، اتَّحدت القرائن على أنَّ

(1) م. س، ص: 400. المقال بعنوان "حدِّثونا عن العدل فإنَّنا نسيناه". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 120 (22/ 05/1950م).

(2) كتب في الموضوع ما يزيد عن 20 مقالة. ينظر عيون البصائر، ص: 80 - 187.

٢٥٣ / ٤٩٤