السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٥٤

هناك اتِّجاهاً جديداً، ولو في هذه القضية بخصوصها، كلُّ الفصل في هذا الاتِّجاه راجع إلى الظروف"(1).

سخرية الكاتب في النص تبدو في تصوير الوضعية التي عليها المجلس، الذي لا يعني وجوده شيئاً بالنسبة إلى الشعب الجزائري؛ لأنَّه لا يُعنى بحلِّ قضاياه. لكن لما طرأت ظروف وعوامل سمحت بفتح باب المناقشة في قضية الشعب، التي استعصى إقناع المجلس بالفصل فيها، بادر المجلس فألَّف اللجنة التي تنظر القضية وتبحثها.

المبادة وتكوين اللجنة يوحيان بالتهكم - الذي يقصده الكاتب- بمن تحرَّك للقيام بهذا العمل؛ إذ بعد مدَّة طويلة، ومطالبات كثيرة ملحَّة، يسمع المجلس لذلك، فيبادر إلى فتح باب الاستماع إلى هذه المطالب، ويكوِّن لجنة لتنظر في القضية، ثمَّ يتسامح المجلس في قبول رجال، كان قد رفضهم في السابق في مناقشة الموضوع، فيكونون هذه المرَّة في اللجنة. هكذا تكون سخرية الكاتب الحزينة بهذا التصرُّف، الذي يكشف عن خبث في النفس، ومكر في المعاملة. وقد كان التهكم أكثر سرياناً، وأكثر تجلَّة في هذه الأفعال (بادر، ألَّف، تسامح … ) نستطيع الوقوف عليها، وعلى دلالاتها العميقة بقدر ما نكشف من آيات تذمُّر الكاتب من تصرُّف المجلس غير المنطقي في قضية فصل الدين عن الحكومة، وبقدر ما ننتزع من علامات مقت الكاتب لهؤلاء الذين يقفون في طريق مصالح الجزائرييِّن، وبقدر ما نتبيَّن من آيات عدم ثقته في هذه النيابة، التي لم تقدِّم شيئا محسوساً للجزائرييِّن.

ثم يكون تعريض الكاتب بهذا الانقلاب المفاجئ في المعاملة، وفي هذا التفكير وهذا الاهتمام بهذه القضية حين يبدي تعجُّبه من هذا التغير؛ ويقرِّر تقرير الساخر الماكر، بأنَّ هناك عوامل غير طبيعية كانت السبب في هذا التحوُّل في الموقف: كأنَّ طائفاً من الديمقراطية طاف بهذا المجلس، أو كأنَّ وحياً من الشيطان تنزَّل عليه –كما اعتاد الاستعمار، ومن يسير في ركابه، أو من يتقيَّد بتوجيهاته أن يسلك هذا

(1) م. س، ص: 183. المقال بعنوان "القضية ذات الذَّنب الطويل". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع 176 (10/ 12/1951م).

٢٥٤ / ٤٩٤