السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٥٦ولا يفهم ولا يعقل، لا نتعجَّب أصلاً، ونقدِّم لها - وبمجرَّد إعلان تسميته - فائق التهاني، راجين لها مزيد التقدُّم في العبث وإهانة الديانة، وله بالنفاق والتدجيل"(1).
الألم يعصر قلب الكاتب على هذا الاستهزاء بالدين، وعلى دوس كرامة المسلم، والتلاعب بمصيره وبمقوِّماته. وهو ما جعله يسجِّل هذه الخواطر بطريقة ساخرة معرِّضة، متعجِّباً من إسناد منصب الإفتاء - وهو الذي تقوم عليه حياة المسلم، وترتكز عليه عبادته وعلاقته بربِّه - إلى أميٍّ لا يعرف الكتابة والقراءة، وليس له عقل أو فكر يعينه على إدراك الأمور. النتيجة التي تحصل من ذلك هي ضرب الإسلام أو تشويهه. وبمرور الزمن يُقْضَى عليه نهائيًّا؛ ولهذا قرَّر الكاتب تقديم أحرِّ التهاني للجمعية بمزيد التقدُّم في العبث بالدين وإهانته، وللمفتي الأميِّ المنصَّب على رأس المسلمين بمزيد من النفاق والتدجيل.
ثم يمعن الكاتب في التهكم بأمثال هذه النماذج التي تعيَّن على رأس المسلمين كرجال دين رسمييِّن، يذكر الدرجات التي يتدرَّجون فيها، إلى أن يصلوا إلى منصب الإفتاء: "وهل يتقدَّم للإفتاء المتدرِّبون، أي الذين ابتدؤوا يصلحون المساجد بالمكنسة، وارتقوا إلى مؤذن إلى حزَّاب، إلى باش حزَّاب، إلى راوي حديث إلى إمام، وهم لا يفقهوون من العلم شيئًا"(2).
سؤال ماكر معرِّض، يقدِّمه الكاتب للتعبير عن غرابة هذا السلوك، الذي تتَّبعه الحكومة الفرنسية في رعاية الإسلام، وتوفير وسائل نشره بين الناس؛ فهي ترقِّي صاحب المكنسة الذي يَصلِحُ بها المساجد درجة إلى أن يصبح مفتياً يُصْلِحُ أحوال المسلمين، ويفتيهم فيما أشكل عليهم في دينهم، وهو لا يفقه من العلم شيئاً. أنَّه سؤال ساخر ومعبِّر عن الألم والحسرة معاً.
(1) المقالة الصحفية الجزائرية … مج1، ص: 102. المقال بعنوان "الجمعية الدينية". نشر في جريدة النجاح، ع: 696 (30/ 01/1929م).
(2) م. ن.