السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٥٧فالحكومة الفرنسية تريد أن تكوِّن من رجال الدين هيئات وتشكيلات على طرازها، تؤيدها في سياستها، وتنفِّذ أوامرها، وتستجيب لمطامحها ومطامعها. ومن ثمَّ لا يكون تحرُّكها ونشاطها إلاَّ بوحي منها، ولا تكون سلطتها مستمدَّة إلاَّ منها، ولا يكون عملها في مجال الدين، إنَّما يكون في مجالات أخرى غير الدين. وقد نجحت الحكومة في هذا التكوين والإعداد، فكان لها هذا: "الجند العاطل من الأئمَّة والمفتين، والخطباء والمؤذِّنين، والقومة والحزَّابين، وأتباع (شريعة يوسف أجمعين) كوَّرتهم، وصوَّرتهم، ونقَّحتهم، وحوَّرتهم، على المنوال الحكومي. دوَّرتهم حتى أصبحوا جزءاً أصيلاً من الأدوات الحكومية، لا يفرق بينهم وبين سائر الموظَّفين الحكومييِّن فارق، حتى في التبديل والنقل من بلدة إلى بلدة. فإنَّ حكمة النقل إنَّما تظهر في الموظَّف العسكري أو الإداري، أمَّا رجل الدين فأية حكمة في نقله؟ … لولا اعتباره موظَّفاً حكوميًّا، يُنقل لمعان إداريَّه وحكم حكومية، أمَّا إن كان نقله لنقص أو تقصير في الواجب الديني، فإنَّ الدين يعزلُه ولا ينقُلُه، هذا أكبر دليل وأنهض حجَّة على أنَّ هذه الوظائف فارقت الدين والتحقت بالحكومة"(1).
يبدع الكاتب في تجسيد حقيقة هؤلاء الرجال، الذين يؤدُّون كلَّ آيات الإخلاص والولاء للحكومة الفرنسية، ويقومون بتحقيق أهدافها في تحطيم الإسلام، ويسخر من هذه التصرُّفات. فيبدأ بوصف هؤلاء الأذناب بأنَّهم جنود عاطلون مرتزقون، وقعوا في أشراك الاستعمار، الذي اصطادهم بشبكة المطامع. ثمَّ يثنِّي بتصوير ساخر، يبيِّن من خلاله أنَّ أولئك الناس عجينة خام في يد المستعمر، شكَّلهم ويشكِّلهم حسب ما تقتضي مصلحته، وتتطلَّبه أهدافه ومطامعه؛ ولذلك كوَّرهم وصوَّرهم، ونقَّحهم من شوائب الإسلام والوطنية والمروءة والشهامة، ومن كلِّ ما يبقيهم أوفياء لدينهم وأمَّتهم ووطنهم، وبذلك حوَّرهم ونقلهم من أبناء الإسلام والوطن إلى أذناب وأتباع لسادتهم المستعمرين، ومن ثمَّ كانوا في النهاية على منوال الحكومة ينسجون ....
(1) عيون البصائر، ص: 109. المقال بعنوان "ونعود إلى فصل الحكومة عن الدين". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 105 (30/ 01/1950م).