السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٥٨

بهذا الوصف الساخر، وبهذا التقرير المعرِّض يسجِّل الكاتب أنَّ هؤلاء النَّاس أصبحوا موظَّفين حكومييِّن، بكلِّ ما تحمل الكلمة من معنى. لا رجالاً يمثِّلون جانب الدين؛ إذ لا تفرق بينهم وبين سائر الموظَّفين الحكومييِّن فارق في القيام بوظائف الحكومة: إخلاصًا لها في العمل، وجدَّية ومسارعة في تنفيذ سياستها وتقديماً لآيات الولاء والخضوع ....

بعد ذلك يبدي الكاتب تعجُّبه من تصرُّف الحكومة؛ فيتساءل ساخراً عن سبب نقل هؤلاء الموظَّفين الدينييِّن وترقيتهم، فإن الدين ليست فيه ترقية ولا تبديل ولا نقل، فإن كان سبب كلِّ ذلك هو النَّقص أو التقصير أو القصور، فإنَّ الدين يقوم مباشرة بعملية العزل والإقصاء، ولا يقرُّ بالترقية والنقل. هذا دليل آخر على الصبغة الحكومية لهذه الوظائف، التي لا تمتُّ إلى الدين بصلة، ولا ترتبط به بسبب. وقد أكَّدت على هذه الحقيقة عبارات ساخرة (لمعانٍ إدارية، وحكم حكومية).

الاستعمار نفسه يعترف بأنَّه كان مخطئًا في سياسته هذه؛ وفي تصرّفه هذا، وهو توليته مناصب حسَّاسة جهلة أمييِّن. وقد سبَّب له هذا السلوك مشاكل عديدة، كشف عنها " أغستان ببرك"(1) في مقال كتبه سنة 1946م(2) ذكر قائلاً: إنَّ خطأنا الفاحش في سياستنا الدينية منذ عشرين سنة أنَّنا اعتمدنا في المساجد على موظَّفين دينييِّن جاهلين، كثيري الطمع، لا يحسنون سوى الولاء والانقياد المطلق.

يستغلُّ محمد البشير الإبراهيمي هذه الشهادات على هؤلاء الأذناب؛ ليدعِّم رأيه فيهم، في عدم رجاء الفائدة منهم، فيشمت بهم ويعرِّض ويكشف عن حقيقتهم للناس بتزكية "ببرك": "والشيخ ببرك رجل إداري شاب قرناه في الوظائف الإدارية الخاصة بالمسلمين، وكانت خاتمة تلك الوظائف إدارة الشؤون الأهلية المعروفة في تاريخ الاستعمار بأقطابها: لوسياني وميرانت، وميو، وببرك، وما منهم إلاَّ له مقام معلوم وتصرُّف مذموم، وله من تمكين أوضاعها جزء مقسوم. وهذه الإدارة هي

(1) مدير الشؤون الأهلية بالولاية العامَّة، أثناء الحرب العالمية الثانية. يبدو أنَّ وفاته كانت في أواخر الأربعينيَّات.

(2) نشر المقال في مجلَّة "البحر المتوسّط" ج11 (جويلية-أوت 1951م)،ينظر عيون البصائر، ص: 200 - 202.

٢٥٨ / ٤٩٤