السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٥٩مرجع رجال الدين في التولية والعزل والتسيير والتوجيه، ومنها يتنزَّل الرضا والسخط عليهم. فالشيخ "ببرك" كان رئيس القوم وموجِّههم ومربِّيهم، ومكمِّل ما كان ناقصاً فيهم من رسوم الخضوع والامتثال المطلق، وقد لابسهم ولابسوه، وعرف مداخلهم ومخارجهم، وأكمل تربيتهم و"تسليكهم" فإذا شهد عليهم بشيء فهي شهادة عيان، وإذا وصفهم بنقيصة فهي صنيع يده فيهم"(1).
يمرِّغ الكاتب كبرياء هؤلاء الأذناب في التراب بهذه الأوصاف، التي خلعها عليهم، وهذا التصوير الذي صوَّرهم به. هؤلاء الأذناب تابعون أبداً، وخاضعون أبداً، ومسيَّرون وموجَّهون أبداً؛ إذ هناك الإدارة التي تتولَّى مسؤولية تعيينهم وعزلهم، وتيسير ذلك والتضييق عليه، حسب هواها، وما تمليه المصلحة. ومن هذه الإدارة تتنزَّل الرحمات والبركات إن أحسن هؤلاء تطبيق سياستها، ومنها يتنزَّل السخط والغضب إن حادوا عن الطريق، أو لم يتمكَّنوا من تحقيق أهدافها.
أيُّ هوان وأيُّ ذلٍّ هذا؟! وأيُّ سقوط هذا الذي يجعل مصير هؤلاء الأذناب في أيدي الغير، يتصرَّف فيه كيف يشاء؟!. لا يكتفي الكاتب بهذا، بل يستمرُّ في الشماتة بهؤلاء الأذناب: رجال الدين المأجورين المدحورين، فيذكر بالفضل سيِّدَهم "ببرك"، الذي ربَّاهم ووجَّههم، وأكمل ما نقص فيهم من آيات الخضوع والرضوخ والامتثال المطلق لكلِّ نداء أو أمر يأتيان من أصحاب النعم عليهم، وممَّن أوقعوهم في هذه الأشراك، ثم ضحكوا عليهم في النهاية؛ بمثل هذه الشهادات، التي سجَّلها ضدَّهم ببرك؛ لأنَّهم لابسوه، ولابسهم، وعرف مخبرهم وظاهرهم، واستنتج في خاتمة المطاف أنَّهم فاقدو المروءة وخربو الذمم، فهم ليسوا أهلا للوفاء بالعهود.
لم يغفل الكاتب في هذا السياق عن التعريض بالشيخ ببرك نفسه؛ حين حمَّله مسؤولية عدم تأدية هؤلاء الأذناب المأمورية، التي أنيطت بهم تجاه أسيادهم – أحيانا- وأرجع ذلك إلى سوء إعداده هؤلاء للقيام بهذا الدور. وقد اعتمد الكاتب
(1) عيون البصائر، ص: 201. المقال بعنوان "شهادة الشيخ ببرك على رجال الدين، وشهد شاهد". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 177 (17/ 12/1951م).