السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٦٠في تكوين هذه السخرية، وإيجاد هذا التهكم على ألفاظ وعبارات معيَّنة، انتقاها انتقاء؛ حيث كثَّف منها لترسم له هذه الظلال، وتمدَّه بهذه الإيحاءات المتتالية مثل (مرجع، تتنزَّل، الشيخ، رسوم الخضوع، لابسهم، لابسوه، تسليكهم … ).
بعد هذا الإجمال في تقرير حقيقة أولئك الأذناب، يعمد الكاتب نفسُه إلى التفصيل، فيضرب مثلاً لتصرُّفات هؤلاء ويقدِّم نموذجاً لهذا الصنف بمحمد العاصمي(1)، المفتي الحنفي، الذي عيَّنته السلطة الفرنسية في هذا المنصب الوظيفي الحكومي، وكان هذا المفتي مناوئاً للمصلحين، وآلة مسخَّرة في يد الاستعمار، وذنباً من أذنابه. يدلِّل الكاتب على وجهة نظره في رجال الدين الرسميِّين الموظَّفين، الذين يسيرون في ركاب الاستعمار، ويكونون أذناباً، ويستشهد على ذلك بهذا المفتي الحنفي محمد العاصمي، الذي يعدُّه المثال الموضِّح للقاعدة العامة، المتمثِّلة في تبعية هؤلاء الموظَّفين المطلقة للإدارة الاستعمارية والرضوخ التام لإدارتها.
لكنَّ هذا المفتي يَفضُل هؤلاء الأذناب بأنَّ ما كان فيهم متفرَّقاً من مميِّزات أو مظاهر التبعية والخضوع الخالص، وضرب الإسلام وأنصاره، وما يتميَّز به هؤلاء من الأمية والجهل … كلُّ ذلك كان متجمِّعاً فيه، ولهذا كان خطيراً على الإسلام والمسلمين. يوضِّح الكاتب ذلك ويبرهن على هذه الحقيقة؛ متسائلاً تساؤل ساخر متهكِّم عن سبب هذا الارتقاء إلى هذا الوظيف السامي قائلاً: "آية ذلك أنَّه وصل إلى ما هو فيه بغير الوسائل التي يسلكها الناس لمثل ذلك في المتعارف عندهم، وكأنَّه يضع قدمه حيث ينتهي طرفه، وما هو إلاَّ طالب كآلاف الطلبة، من مثل طبقته، فلماذا تقدَّم وتأخَّروا؟ ولماذا أصبح رأساً بعد أن كان بالأمس ذنباً؟ أهو الحظُّ؟ لا بل هو
(1) محمد العاصمي (1888 - 1951م)، عين مفتيا رسميًّا للمذهب الحنفي في الجزائر سنة 1944. كان من أبرز عناصر جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين، ثم انقلب عليها، وأصبح من أكبر المناوئين لها. هو مؤسِّس مجلَّة "صوت المسجد" لسان حال رجال الدين الرسميِّين، وكانت مناوئة لجريدة البصائر على الخصوص.