السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٦١

شيء آخر غير الحظِّ، هو شيء تشمُّه الحكومة الجزائرية بحاسَّة زائدة فيها، فتميِّز به السابق من أدواتها من المقصِّر … "(1).

في هذا التساؤل تكمن السخرية والتهكم من العاصمي والحكومة الفرنسية معًا. فالكاتب يعرف أن ليست للعاصمي مؤهِّلات ترشِّحه لذلك المنصب السامي، منصب الإفتاء، ويعلم أيضاً أنَّ الصدفة والحظَّ لم يكن لهما دور في هذه الترقية من الذنَب إلى الرأس مرَّة واحدة. إنما السرُّ كلُّ السرِّ في الترقية يكمن في هذه المرشِّحات الخاصة التي ترشِّح إلى أمثال هذه المناصب السامية الحسَّاسة، وهي الإخلاص للحكومة والرضوخ التام لمطالبها، والتبعية المطلقة لها، مع الجدِّ في ضرب الإسلام والمسلمين.

إذن إنَّ الحكومة تعرف الشخص المؤهَّل لهذه المناصب بحاسَّة زائدة عن الناس؛ لما تنطوي عليه من المكر والغدر والظلم … ولهذا يضيف الكاتب: "ودع عنك المؤهِّلات العلمية، ودع عنك الموازين الصحيحة، ودع عنك القيم المعقولة، فذلك كلُّه لا قيمة له، ولا عبرة في هذا الباب، ودع عنك حرمة الدين"(2).

إذن فالحكومة لا تستعمل المنطق والعقل في اختيار موظَّفيها، ولا تضع موازين مضبوطة في هذا التعيين: من علم وأخلاق ودين ومراعاة مصالح من تسيِّر شؤونَهم، وتتولَّى أمورهم، إنَّما تُحكِّم هواها وعاطفتها. هذا ما يقدح في مصداقيتها؛ بزعمها دولة تدَّعي التطوُّر والتقدُّم في أفكارها ونظريَّاتها في التسيير والتوجيه.

بعد ذلك يوجِّه الكاتب خطابه إلى الناس، الذين يتوهَّمون أنَّ للرجل أتباعاً؛ بناء على ما كانت تذيعه الحكومة أو توحي به، أو تصبُّه في أذهانهم، ويبيِّن لهم نوع أتباع العاصمي هؤلاء: "ونقول للذين يتوهَّمون أنَّ للرجل أتباعًا. إنَّ أتباع هذا الرجل من جنس مذهبه، وإن المقدِّمة الأولى لنتيجتكم هذه قد سبقتها أعوام، يوم أمسى ناسخاً في محكمة موجودة، فأصبح رئيساً لمذهب معدوم، فتباعد طرفي

(1) عيون البصائر، ص: 143، 144. المقال بعنوان "أهذه هي المرحلة الأخيرة من فصل الحكومة عن الدين". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 139 (29/ 01/1951م).

(2) م. س، ص: 144.

٢٦١ / ٤٩٤