السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٦٢القضيَّة يقدح في هذا الإنتاج(1)، فإذا سوَّغ لكم منطقكم أن تقولوا هذا مفتي مذهب، وكلُّ مفتي مذهب له أتباع، فلا تأمنوا أن يقول قائل إنَّه مفتي مذهب غير موجود، فله أتباع … غير موجودين، فإن قلتم إنَّكم لا تريدون المذهب الفقهي، وإنما تريدون المذهب (الصناعي) قلنا إنَّ هذا المذهب لا يتبع العاصمي فيه إلاَّ الأخسرون أعمالاً، والأضلُّون سعياً"(2).
إذن إنَّ أتباع العاصمي موجودون في الخيال وفي زعم الحكومة، وفي خطِّة التآمر والمناورة وليس في الواقع المعيش. إنَّ العاصمي رئيس لمذهب معدوم، وهو مفتي مذهب غير موجود. هكذا يصنع الاستعمار بأذنابه، يوهمهم بالعظمة، ويوحي لهم بأنَّهم تسنَّموا مراتب عالية سنية في المجتمع … فما عليهم إلاَّ أن يستمرُّوا في سيرتهم في التبعية للاستعمار، وتنفيذ مخطَّطاته في ضرب الإسلام والوطنية.
يمضي الكاتب نفسه في التعريض بالاستعمار الذي يؤهِّل الناس ويكوِّنهم بسرعة؛ لاحتلال مناصب دينية سامية حتى يشرفوا على شؤون الأمَّة الدينية حسب ما يمليه المنطق الاستعماري؛ فيتهكم بهؤلاء الأذناب، الذين يبقون دائماً في دائرة الإخلاص والسمع والطاعة لهؤلاء المستعمرين، ويذكر أنَّ هذه المدرسة لا تسير على منهج المدارس العلمية التكوينية في تتبُّع المراحل بكلِّ دقَّة في الإعداد، إنَّما تقوم على اختصار الوقت، واختزال الطريق، واستعجال النفع ممن تهيِّئه لهذه المناصب. ولا يكون العلم شرطاً في صحَّة الانتساب لهذه المدرسة: "ثمَّ تأتي الشروط الإيجابية والسلبية في كلِّ فرد، وأهمُّها في الإيجاب الاستعداد للشرِّ في التلميذ، وأهمُّها في السلب التجرُّد من الدين والفضيلة، وتأتي بعد الأهمِّ مهمَّات في الطرفين، كالسمع والطاعة الإخلاص، وكالتسليم في المشخِّصات الإنسانية، وموت الضمير الآدمي، وإخماد الشعل الفكرية، وقطع العلائق الفطرية مع القوم والجنس والوطن"(3).
(1) لعلَّ الصواب هو الاستنتاج.
(2) عيون البصائر، ص: 144.
(3) م. س، ص: 455. المقال بعنوان "إبليس ينهي عن المنكر". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 143 (19/ 02/1951م).