السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٦٣

نلحظ في هذه المقدِّمة المرارة والحسرة اللتين تعصران قلب الكاتب، وهو يشاهد هذه الأذناب، ترتمي في أحضان الاستعمار؛ ليوجِّهها ويسخِّرها في قضاء مآربه، وتنفيذ مخطَّطاته، وهو نفسه قد اكتوى بنيران تصرُّفاتهم. فعبَّر عن هذا الألم النفسي، وهذا الشعور الموتور بهذه الطريقة الفنِّية الساخرة، التي لم يبتعد فيها عن الواقع، ولم يجنح فيها إلى الخيال إلاَّ ليرتفع بالنص إلى مستوى الفنِّ، ويرقى بالوعي إلى درجةٍ، تحرِّك الضمائر؛ لتتدارك الأمر. وقد جسَّد الكاتب في هذه الفقرة نتائج التكوين الذي يتلَّقاه الفرد المسلم على أيدي المستعمرين، وبيَّن حقيقة الذين يوالون العدوَّ، ويبقون ذنباً له. من هذه النتائج موت الضمير الآدمي، إخماد شعل الفكر، قطع العلائق الفطرية مع القوم والجنس والوطن.

ينتقل بنا الكاتب إلى المغرب الأقصى ليقدم لنا نموذجاً آخر من خرِّيجي هذه المدرسة الاستعمارية، وقد حاول بطريقته الساخرة أن ينطق هذا التلميذ ليقول: "أنا روح الاستعمار وسرُّه وحقيقته المشخِّصة، وأنَّه لو لم يكن في الدنيا استعمار لكنت وحدي استعماراً قائماً بذاته، ولو انقطع الاستعمار- لا قدَّر الله- فسأكون أنا وحدي حافظَ أنسابه، ووارث أسلابه، وقيِّمَ أبوابه، والمتعبد بتلاوة كتابه، وأنا وحدي المثال المحقِّق لقاعدته، وأنا وحدي الدليل على خروج الاستعمار من صورته الذهنية إلى حقيقته الخارجية"(1).

الكاتب في هذه اللوحة الفنية، أراد إيقافنا على نتائج التكوين التي يتحصَّل عليها المرتمون في أحضان الاستعمار، أو المغرَّر بهم، أو المجرورون إليه، وكيف يكونون أذناباً له، وربَّما فاقوه في النَّيل من الإسلام والوطن؛ ولهذا قدَّم الكاتب بطريقة ساخرة اعترافات هذا التلميذ الذنَب، وهذا المتربِّص المارق من أصله، وهذا المتلوِّن التابع الإمَّعيِّ … ليكشف عن حقيقة ذاته، التي تصرِّح بأنَّها ابن الاستعمار الوفي، وظله الأمين وروحه الخالصة …

(1) م. س، ص: 456.

٢٦٣ / ٤٩٤