السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٦٤

هذه الاعترافات، وإن كانت من خيال الكاتب، تظلُّ إسقاطات نفسية، تجسِّد ما كان يشعر به ضيق، ممَّا كان يمارسه هؤلاء الأذناب من شرور ضدَّ أوطانهم وملَّتهم وجنسهم. وهو بهذه الطريقة حاول تقديم صورة حية عن خطر هؤلاء الناس على الأمَّة الإسلامية، وفي الوقت نفسه حرص على الإفصاح عن الضجر والقلق اللذين أصابا الضمائر الحية والمشاعر اليقظة؛ بسبب هذه التصرُّفات، التي لا تمتُّ إلى العقل بصلة، ولا ترتبط بالدين والمروءة والكرامة بسبب. كما أنَّ هذه الطريقة التي سلكها الكاتب في السخرية، كان يرجو منها أن تهزُّ الناس، وتنبِّههم من غفلتهم، وتوقظتهم من سباتهم، وتخرجهم من غفوتهم؛ لينظروا إلى الأمور بنظرة العقل، ويزنوها بميزان المبادئ، ويحكموا لها أو عليها بحكم الإسلام، ومن ثمَّ سيتفطَّنون لممارسات الاستعمار، وتجاوزات هؤلاء الأذناب وشرورهم، إلى غير ذلك من المعاني التي تقدِّمها هذه اللوحة الساخرة.

في هذين النموذجين اللذين قدَّمهما الكاتب لحقيقة أذناب الاستعمار، أحدهما من الجزائر والثاني من المغرب الأقصى، لحظت التشابه في الأفكار التي قدَّمهما عن الرجلين، اللذين يخدمان استعماراً واحداً، وهو العدوُّ الفرنسي. فالعاصمي هو المثال الموضِّح لقاعدته، والتلميذ المغربي هو المثال المحقِّق لها أيضاً، وكلاهما خرج عن مألوف الناس في التكوُّن والرقيُّ في السلم والدرجات بالطريقة التي تعارف عليها البشر، وكلاهما روح الاستعمار وسرُّه. إلى غير ذلك من المعاني التي نقرؤها في النصَّين، مع ملاحظة أنَّهما كتبا في سنة واحدة، هي عام 1951م. هذا يدلُّ على صدق مشاعر الكاتب، وعلى واقعية عرضه وتقديمه هذه الحقيقة، كما يؤكِّد على تشابه الأوضاع في المغرب العربي.

كما أنَّ كلا النصَّين انطلق من الواقع، مع توفُّر قدر كبير من الخيال فيهما، الذي عمد إليه الكاتب لتوضيح الفكرة، وتصوير حقيقة المشاعر الموتورة. هذا الأسلوب يتماشى مع حملة التصعيد التي عرف بها الأدب الجزائري في هذه الفترة؛ نتيجة تدهور الأوضاع، وهو ما عرف بإرهاصات الثورة في الأدب الجزائري.

٢٦٤ / ٤٩٤