السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٦٥إذا كان لرجال الدين الرسمييِّن وانتقاد سيرتهم، وتبعيَّتهم المطلقة للاستعمار حضور كثير في الأدب الجزائري الساخر، لخطورة سلوكهم هذا على المجتمع وعلى الدين. فإنَّ بقية الأذناب قد نالوا نصيبهم من هذا الأدب. فأبو اليقظان - مثلا- يعرِّض ببعض هؤلاء الأذناب المرتبطين بفرنسا، ويطلب منهم الالتجاء إليها، والاحتماء بها؛ لتحضنهم وتتكفَّل بهم، فالمسافة بينهم وبينها قريبة جدًّا. وقد ألحَّ عليهم بالإسراع في السفر إليها؛ لأنَّ من لم يجدَّ في الأمر لن يحصل على مطلوبه ومرغوبه. وقد أبدى هذه المشاعر في سخرية وتهكم لاذعين، معتمداً ومستنطقاً مثلين شعبيين هما: "ما يَمشي الرجْلْ غِير وِينْ يِحَبْ القَلْب" و"القَاعَد ما اعطاتُو كَسْرَة": "كلُّ إنسان إذا حلَّت به نكبة أو فاجعة أو مصيبة التجأ إلى أمِّه الحنون، يستعطفها. ولأجل هذا سافر بعض السادة لفرنسا لزيارة "أمِّهم الحنون" فنحثُّ الناس على طاعة الأم، والالتجاء إليها عند الحاجة فإنَّه ليس بيننا وبينها سوى مسافة يوم وليلة، وهي التي تَفْصِلُ بين أبنائها بالعدل والمساواة والحرية (والقاعد ما اعطاتو كسرة) "(1).
النص تضمَّن سخرية لاذعة، مبعثها الألم الذي يعصر قلب الكاتب؛ بسبب تصرُّفات بعض الناس، الذين فقدوا كرامتهم، وتنكَّروا لأصلهم؛ حين التجؤوا إلى فرنسا لتمنحهم ما يريدون، وتغذِّيهم وتنمِّيهم، وتنشئهم على طريقتها الخاصة. وللإمضاء بـ "رضيع" دلالة عميقة ومعنى كبير؛ إذ أنَّ الرضيع في حاجة ماسَّة إلى صدر دافئ يحتضنه، ولن يكون متوفِّراً إلاَّ عند الأمِّ. والرضيع هو هؤلاء الأذناب، حتى ولو كان الاسم يمثِّل صاحب المقال الذي ينتقد هذه التصرفات، إلاَّ أنَّ الإمضاء يظلُّ حاملا علامات السخرية والازدراء، وتبقى هذه النصائح التي قدَّمها إلى هؤلاء الأذناب إسقاطات نفسية. أمَّا الأمُّ الحنون فهي فرنسا. والكاتب في هذه الفقرة لم يغفل عن التعريض بفرنسا، صاحبة العدل والمساواة والحرية. وفي هذا إشارة وهمس إلى أولئك الراحلين إلى فرنسا والمستجدين نوالها،
(1) "رضيع" "ما يمشي الرجل غير وين يحب القلب". جريدة البستان، ع:9 (27/ 06/1933م). النص لأبي اليقظان.