السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٧هذه المعاني والدلالات قد تحمل سمات السخرية إذا وُظِّفت توظيفاً فنِّيًا، وصبغت بالحالة النفسية التي يكون عليها المتفكِّه أو الفكه، وارتبطت بأهداف معيَّنة، يرمي إليها في فكاهته، حينذاك تكون عنصراً من عناصر السخرية، وكثيرا ما تتطوَّر الفكاهة إلى سخرية إذا انقلبت من الإضحاك إلى اللَّذع، بل هي في رُقيِّها تمثِّل أسلوب السخرية في التعبير(1).
هناك فروق بين السخرية والفكاهة، يمكن أن تميِّز بين اللفظين، ودلالة كل واحد منهما(2) لكن حين نتأمَّل فيهما -كما عرضناه سابقا- فإنَّنا نثبت هذه العلاقة بين الفكاهة والسخرية، ونؤكِّد على دلالتها على معنى واحد - أحيانا - في معرض تعبير فنَّان ما.
من خلال ما قدَّمناه وعرضناه في تحديد مدلول السخرية اللغوي نؤكِّد على أن هناك ألفاظاً تشترك معها في بعض دلالاتها، أو تقترب منها وقد تترادف معها، وتحلُّ محلها في التعبير في سياق معيَّن من البواعث والأهداف واحتدام المشاعر. غير أنَّ السخرية تبقى الأعمَّ في الدلالة، والأشمل في احتواء تلك الألفاظ، وفي الإفصاح عمَّا يرمي إليه هذا الأسلوب في الكتابة والتعبير. وقد قيل: "وخير هذه الملكات وأعلاها ملكة السخر، يمازجها العطف، وهي عبقرية لا تقلُّ في اقتدارها على تجميل الحياة، وتثقيف النفوس والأذواق، وعن عبقرية الفلسفة، وعبقرية الشعر والتلحين(3).
من هنا نقول: إنَّ الأديب يمكن له أن يظهر بمظاهر مختلفة، ويتلوَّن بألوان متعدِّدة، ليكون ساخرا، ولهذا يرى محمد مصطفى سلام أنَّ الألفاظ التي ذكرناها في الموضوع تدخل ضمن السخرية، إذ يمكن أن يقال سخر منه بطريق الفكاهة،
(1) ينظر السخرية في أدب المازني، ص 16، والفكاهة في الأدب العربي، ص: 33.
(2) لمعرفة هذه الفروق ينظر "صفاء خلوصي"، " الضحك في الأدبين العربي والغربي "، مجلة العربي، ع:34، سبتمبر 1961م، ص: 101.
(3) عبَّاس محمود العقَّاد، ساعات بين الكتب، منشورات المكتبة العصرية صيدا، بيروت، سنة 1979م، ص:221.