السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٨وسخر منه بطريق الهجاء، وسخر منه بطريق العبث، وسخر منه بطريق المجون والتهكم. هكذا فالسخرية أعمُّ، وهذه فروع لها(1).
هذا التداخل في المدلولات، وهذا التقارب في المضامين يجعل التفريق بين ألفاظ السخرية صعبًا جدًّا، بل محاولة القيام بذلك قد يحرِّف أو يغيِّر حقيقة معنى كلِّ لفظة، وقد يشوِّه العمل الفنيِّ للأديب في إطار هذا الأسلوب وسياقه في الكتابة: "ومن العسير حقًّا أن نحظى بتفرقة دقيقة بين المفاهيم المختلفة الفنية للسخرية والفكاهة والهزالة والدعابة. ويرجع ذلك في رأينا إلى طبيعة التكوين الفنِّي للأدب الساخر. ففي معظمه فكاهة أو هزالة أو مداعبة وضحك أو إضحاك"(2).
لذا فإنَّ تحديد ما في النصِّ من سخرية، توفِّرها ألفاظه أو تراكيبه يرجع إلى ما يملكه الفنَّان من قدرة على توليد السخرية، أو إيجادها فيه، بعامل الباعث عليها، إلى جانب احتدام المشاعر وطبيعتها، وربط ذلك بالأهداف المرسومة، وكيفية العمل على تحقيقها، كما يرجع ذلك إلى فطنة القارئ وذكائه في اكتشاف هذه السخرية ومحاولة فهم ووعي ما يقدِّمه الأديب الساخر ويعرضه.
نتساءل بعد هذا العرض عن ماهية السخرية الفنية، أو بعبارة أخرى: ما هو التعريف الحقيقي لها؟
بناء على ما عرضناه في المدلول اللغوي للسخرية، فإنَّنا نُقِرُّ منذ البداية أنَّه يصعب تحديد تعريف فنيٍّ دقيق للسخرية، وهو ما أقرَّ به كثير من النقَّاد والدارسين(3). يرجع العجز في إيجاد تعريف فنيِّ دقيق للسخرية إلى كونها انفعالات مركَّبة ومشاعر متدفِّقة، يصعب حصرها، ويتعذَّر إيقافها لتأملها بدقَّة، ومن ثمَّ تحديد صفات خاصَّة في منأى من الأخطاء، لأنَّنا: "لو حاولنا حصر الانفعالات
(1) ينظر شعر السخرية في العصر العباسي، ص: 2.
(2) الاتِّجاه الساخر في أدب الشدياق، ص: 10.
(3) ينظر مثلا ما جاء في كتاب السخرية في الأدب العربي، ص: 15، والاتِّجاه الساخر في أدب الشدياق، ص: 11، والتهكم في أدب الجاحظ، ص: 12، 13 …