السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٧٣العقل ونتاج المشاعر المتدفِّقة التي لا تعرف التوقُّف. وكلُّها تبحث لها عن أية وسيلة للوصول إلى وعي المتلقِّى المخاطب أو المقصود بالخطاب.
والساخر نفسه، وهو أديب فنَّان، يملك خيالاً مرنًا وعقلاً راجحًا، ومشاعر محتدمة، وذكاء لمَّاحًا، وروحًا مرحة، وقدرة على الصياغة، وملكة لاختيار ما يحقِّق غرضه من الكتابة … بفضل هذه المعطيات والامتيازات يتناول المسخور منه بالعبث والمداعبة والتندُّر والتهكم … "يستخدم وسائل وأساليب متعدِّدة في سخره، تتداخل كلٌّ منها؛ بحيث لا يمكن إحصاؤها أو عدُّها، وهي معرَّضة دائمًا لابتكار العقول المبتكرة، بحيث لا يمكن للبلاغي حصرها في اصطلاحات ضيِّقة، فمثلها كحروف الهجاء في أية لغة من اللغات، يمكن للإنسان اشتقاق آلاف الألفاظ منها، والتعبير بها عن آلاف الأحاسيس، فتكون طيِّعة في يده، يستخدمها كيف يشاء"(1). هذا يعني أنَّ الساخر يبتكر صورًا ساخرة من خياله، بعد أن يطبعها بروحه، ويصبغها بنوعية انفعالاته، فتغدو جديدة كلَّ الجدَّة، أو لافتة للنَّظر، بعد أن لم تكن ذات أهمية من قبل.
هذا ما يجعلنا نقرُّ بأنَّه ليست هناك ضوابط تضبط أنواع الأساليب الساخرة أو أشكالها. كما أنَّ السخرية لا تخضع لمذهب خاصٍّ، ولا لانفعال معيَّن، إنَّما هي خاضعة فقط للحرية التي يمكننا بها "أن نتناول من أمور الحياة الخاصة والعامة ما نشاء بالأسلوب الذي نختاره"(2).
انطلاقاً من الملاحظات والإشارات العامة إلى طبيعة الأسلوب نحاول التعرُّف على الأساليب التي أفرزها الأدب الجزائري الساخر وهي كثيرة نحاول عرض بعضها. هذه الأساليب عبَّرت عن اهتمامات الأدباء بقضايا المجتمع. ومن ثمَّ يكون غرضنا من هذا العرض هو بيان مدى إسهام الأدب الجزائري في هذا المجال، وفي هذا النمط من التعبير.