السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٧٥هذه الأسئلة المتتالية الآخذ بعضها برقات بعض، خرجت عن مقتضى الظاهر؟ إذ لم يكن القصد منها طلب معرفة شيءٍ لم يكن معروفًا من قبل، إنَّما الهدف كان تقرير حقائق وتأكيد أمور على جهة التوبيخ والتقرير والتحقير؛ سخرية وتهكما بهؤلاء الذين يسيرون في ركاب المستعمر، وينفِّذون خططه في ضرب الإسلام والمسلمين. هذه الاستفهامات جاءت لتلفت الأنظار إلى حقيقة ما يفكِّر فيه أولئك الناس، ولتسجِّل أعمالهم ومن ثمَّ تكشف عن شخصيتهم. ما يؤكِّد على صفة التقرير الذي لا يحتاج إلى جواب بالنَّفي أو الإثبات قول الكاتب بعد ذلك: " وما نقلنا إلاَّ القليل، وما لنا فيه إلاَّ الرواية العادلة"(1).
كما يستعمل الكاتب نفسه الأسلوب ذاته؛ للإفصاح عن حسرته من معاملة الاستعمار لمعلِّمي الدين واللغة، مقرِّرا حقيقة لا معدل عنها، وهي أنَّ الاستعمار عدوُّ الإسلام مهما تكن الظروف والأحوال، موبِّخًا متعجِّبا ممَّن لا يفهم هذه الحقائق: "وحسب الاستعمار (ديمقراطية) أن يحاكم معلِّمي العربية والإسلام ويسجنهم على التعليم كما يحاكم المجرمين، ويسجنهم على الإجرام في محكمة واحدة، وسجن واحد وظرف واحد، وقد يكون يوم جمعة في الغالب، أليس هذا احتراما للإسلام؟ ومن مصلحته كما يقول العاصمي، أليست هذه هي الديمقراطية؟ فما لكم تكذِّبون؟! "(2).
أنهى الكاتب هذه المجموعة من الأسئلة بسؤال فيه كلُّ معاني التحسُّر والتفجُّع من حال المسلمين، الباعث على الشفقة والرحمة، وفيه معنى التوبيخ الخفيِّ للناس الذين لا يتفطَّنون لدسائس المستعمر. وقد اختار الكاتب الأسلوب الذي استعمله القرآن في تقريع الكفّار الذين لا يؤمنون ولا يعقلون بما هو أمامهم من البراهين والأدلَّة على وجود الله (فما لكم تكذِّبون). عمد الكاتب إلى هذا الأسلوب ليقرع الجزائرييِّن الذين لا يعقلون، ولا يعون ما يحاك ضدَّهم(3).
(1) م. ن.
(2) م. س، ص: 375، 376. المقال بعنوان "عادت لعترها لميس". نشر في البصائر الثانية، ع:64 (24/ 01/1949م).
(3) ينظر للكاتب الأسلوب نفسه، المصدر السابق، ص: 105، 106، 458.