السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٧٦أمَّا "السعدي حكَّار" فيروعه الجهل المطبق والأمية المتفشية اللذين سادا المجتمع، ويحزُّ في نفسه أن يرى الناس راضين بذلك، بل مقتنعين – وهم على هذه الحالة - بأنَّ لهم علمًا كافيًا، يقيم حياتهم، فيتساءل تساؤل تهكم، فيه احتقار لهؤلاء الذين يغترُّون بأنفسهم ويقتنعون بما لديهم، فيقبعون في دركة التخلُّف والجهل … "فكلُّنا - والحمد لله - نعرف القراءة والكتابة؛ بدليل أنَّنا جميعًا نحمل أوراق التعريف، وفوقها إمضاءاتنا، وإن أعوزنا الحال نمضي بالإبهام، أو نخطَّ صليبًا، أو ليست هذه كتابة؟ وهل الكتابة إلاَّ علامات ودلائل على حسن المعرفة وفهم المقصود؟ "(1) التساؤل يحمل كلَّ معاني الاحتقار لهذا الصنف من الناس، والاندهاش من ضعة تفكيرهم، كما ينقل بكلِّ صدق تحسُّر الكاتب من الحالة المتدهورة، ويقرُّ حال التخلُّف العقلي والضعف الإدراكي والمعرفي، ويردُّ على هذه الفكرة وهذه النظرة، وهي اعتبار إتقان خطِّ حروف ورسمها هو نهاية المعرفة وغايتها …
ثم يضيف الكاتب متهكما نافيًا ورادًّا – في الوقت نفسه - على اعتقاد السذَّج والمغفَّلين أنَّ العلم والمعرفة هو فقط حفظ وترديد لما هو في المجلَّدات وما شابهها: "وهل العلوم إلاَّ بين المجلَّدات الضخمة من شروح وحواشٍ وتعليقات؟ "(2).
ومن بين أساليب علم المعاني البلاغية التي كثر استعمالها في الأدب الجزائري الساخر أسلوب الاعتراض، الذي يعتمد على جمل يأتي بها في أثناء كلام متَّصل؛ لغرض يقصد إليه البليغ، ولا يكون لهذه الجمل أيُّ محلٍّ من الإعراب. وتكون هذه الجمل موجعة مؤلمة، حين توضع في موضعها، وفي سياق محكم، فيتحوَّل الكلام من معنى الذمِّ، أو من الوصف العادي والكلام العابر إلى تهكم يصيب في المقاتل.
الأدباء الجزائريُّون اعتمدوا هذا الأسلوب للنّيل من خصومهم، والسخرية منهم. فأبو اليقظان الذي اكتوى بنار السياسة، وذاق منها الأمرَّين؛ بسبب ما ناله من الاستعمار من التنكيل والتضييق، ومصادرة جرائده، ووأد أفكاره ومحاولات