السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٧٧

إخماد مشاعره … كتب لاعنًا السياسة، مندِّدا بها، داعيًا إلى نبذها، مستعملا جملاً اعتراضية، ساعدته على نقل الكلام على خلاف ما يوهم الناس من ترك السياسة إلى ممارستها. ينقل ذلك بواسطة التهكم بالاستعمار الذي كان السبب في التزهيد فيها.

فبعد أن ذكر أنَّه لا يتمكَّن من النطق بكلمة "سياسة " لأنَّها كلمة لاذعة، يعاقب عليها القانون بكلّ أنواع العقاب، قال: "لا أنطق بها ناسيًّا، ولا أتعمَّده ولا أظنُّه، ولا أشكُّ فيه ولا أتوهَّمه، ولا أحدِّث به نفسي، ولا يخطر ببالي ولا يقع في هاجسي ولا خيالي، وإن أرغمت وأجبرت، وألجأتني الضرورة – لا قدَّر الله، والله يالطيف على النطق به- فإني استبدله بالـ … بو … ليـ … تيك(1) إذ أنَّ هذا اللفظ معناه الخاص في دائرته الضيِّقة المحدودة، وحدُّه الفاصل بين ما هو من السياسة – أستغفر الله وأتوب إليه، وأقلع عن هذه الزلَّة - وما ليس منها"(2).

الجمل الاعتراضية في النص أبانت عن ازدراء الكاتب المستعمِر، الذي كرَّه إلى الناس السياسة، وحملهم على لعنها. ففي قوله: " لا قدَّر الله، والله يا لطيف على النطق بها " إشعار بروح الازدراء والسخرية من خانق الحرية. إذ الكاتب يحترس حتى من النطق بها مَخَافَة التلبُّس بتهمة الإجرام، مع أنَّ ممارسة السياسة حقٌّ شرعي. كما أنَّ في هذه الجمل "استغفر الله وأتوب إليه، وأقلع عن هذه الزلَّة" اعترافًا ضمنيًّا بارتكاب الجريمة، وتعهُّداً بعدم اقتراف زلَّة ممارسة السياسة، كما أنَّ فيها أيضًا استهزاءً واحتقارًا للمستعمر، الذي لا يراعي الحقوق ولا يَرْعَي الذمم؛ فيلجئ أصحاب الحقوق إلى التخلي عنها، والاعتذار عن اقتراف زلَّة ممارستها.

في هذا الاستعمال دلالة نفسية عميقة على حالة التذَمُّر والسخط، التي عاشها الكاتب، وعلى حالة الإحباط، التي شعر بها، وهو يرى نفسه مقيَّدة من الانطلاق بحرية لممارسة حقّه المشروع، وقَلَمَه محجّرًا عليه لنقل مشاعره وتبليغ أفكاره(3).

(1) ارتكب الكاتب خطأ لغويًّا، المفروض أن يقول: استبدل بها البوليتيك (السياسة).

(2) "أديب و … "، " أعوذ بالله من السياسة "، جريدة البستان، ع: 06 (06/ 06/1933م). النص لأبي اليقظان.

(3) ينظر أيضا الحفناوي هالي، "مع أديبنا الكبير"، جريدة البصائر الثانية، ع:111 (13/ 03/1950م).

٢٧٧ / ٤٩٤