السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٧٨ومن أساليب البديع التي تدخل ضمن المحسِّنات المعنوية أسلوب تأكيد الذم بما يشبه المدح، الذي يعمد إليه الأديب ليضمِّن كلامه معاني تناقض أو تبعد المعنى الظاهر المباشر، إذ يذمُّ في معرض المدح ويضع العلقم الخفيِّ في الطعم الحلو(1).
محمد السعيد الزاهري يتهكم من أحد مقرَّبي الطرقية وسراتها، الذين كانوا يعيشون على نفقة عاهرة، وكان تحت كفالة ساقطة "وكان يموت من شدَّة الجوع من قبل أن يلتجئ إليها، وهي الآن تقوِّته، وليس لها من مكسب غير "الكوميرس" التي تعرق في عمله بياض النهار وسواد الليل (وخير الرزق ما كان بعرق الجبين وكدٍّ) "(2).
ظاهر الكلام مدح للمرأة التي تكسب رزقها من الحلال وعرق الجبين، ومن الكدِّ الذي يأخذ منها بياض النهار وسواد الليل، ومدح للرجل الذي يقتات من مال يكتسب من عرق الجبين، وحقيقته وباطنه ذمٌّ للرجل؛ لأنه يعتمد على امرأة تكسب رزقها من الحرام. إنَّ ذلك هو العلقم الخفيُّ في الطعم الحلو.
السخرية وروعتها تكمن في هذه المفاجأة، التي لا تخطر على البال؛ فقد بدأ الكاتب الساخر بالمدح ثم ختمه بالذم. وعنصر الطروء أو المنافاة عنصر قويٌّ في تكوين المضحكات كما يقول العقَّاد. وفي أسلوب الذم في معرض المدح تتولَّد الدغدغة الفكرية المضحكة المتولِّدة عن خاطر غير معهود، ومن ثمَّ تحدث المفاجأة التي تبعث على السخرية(3).
كما أنَّ في النص "تذييلاً" وهو من أساليب الإطناب. وهو عبارة عن تعقيب جملة بجملة أخرى تشتمل على معناها توكيدًا لها. في النص جاءت جملة "وخير الرزق ما كان بعرق الجبين وكدِّ" جاريةً مجرى المثل، ذيَّلت النص. فهي لم تضف جديدًا سوى تأكيد المعنى الذي ورد قبلها.
(1) ينظر الفكاهة والسخرية في أدب مارون عبُّود، ص: 28.
(2) ينظر جريدة البرق، ع:15 (20/ 06/1927م).
(3) ينظر كتاب السخرية في الأدب العربي، ص: 87، 88. وكتاب العقَّاد. جحا الضاحك المضحك، ص: 63.