السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٧٩

ومن ألوان البديع الذي استعمله الأدباء في السخرية (الجناس)، وهو محسِّن لفظي يقصد إليه؛ لإضفاء نوع من المتعة والروعة على الكلام، بما يحمله التعبير من إيقاع جميل، يُحدثه التكرار الصوتي، الذي يقرن إلى ما يتوفَّر في الكلام من خصوصيَّات فنية، فتتولَّد السخرية والتهكم.

يسخر محمد البشير الإبراهيمي من الاستعمار، الذي كوَّن لجنة سمَّاها "لجنة فرانس إسلام" للدِّفاع عن الإسلام والمسلمين زعمًا وادِّعاءً وتمويهًا. فبعد أن ذكر بعض مخازيها، حثَّ على تقديم يد المساعدة للمستعمر وللَّجنة - تهكُّما- مستعملاً الجناس التام: " … إنَّ هذا - في دين اللجنة- لفتح جديد للسياسة الفرنسية، من أضنى في تحقيقه بدنه، فكأنَّه قرَّب إلى الاستعمار بدنه"(1).

"بدنه" الأولى تعني جسده، و"بدنه" الثانية تعني ناقة أو بقرة. السخرية تكمن في هذا التعبير، وهو أنَّ الإنسان الذي يشقي جسمه ونفسه في خدمة سياسة المستعمر هو بمنزلة من قدَّم ناقة أو بقرة سمينة إلى العدوِّ، كما يتقرَّب المسلم إلى ربِّه بمثل ذلك طاعة وشكرًا له. فمن يقدِّس العدوَّ ويشكره ألا يستحقُّ السخرية والازدراء. ما أفاد ذلك وأوجد هذا التهكم هو الجناس التام المماثل، الذي ردَّ الأفهام إلى ما جاء في الأثر من التشجيع على أنواع القربات إلى الله.

ب - أسلوب التعريض:

التعريض أسلوب يعتمد على التعبير غير المباشر، واللعب بالمعاني، من غير أن يكون بين المعاني تلاؤم مشروط "وهو الكلام الذي لا يقصد به المتكلّم معناه، وإنّما يقصد معنى آخر، وليس بين المعنيين تلازم"(2). وفي التعريض ينال الأديب الساخر من المسخور منه، ويعبث بخصمه بطريقة خفية ذكية ومؤلمة في الوقت

(1) عيون البصائر، ص: 389. المقال بعنوان "لجنة فرانس إسلام ". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:114 (10/ 04/1950م).

(2) السخرية في أدب المازني، ص: 44.

٢٧٩ / ٤٩٤