السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٨٠نفسه؛ وبذلك يوفِّر التعريضُ الجماليةَ في التعبير، والطرافةَ في القول. ومن ثمَّ يبعث المتعة في نفس القائل، ونفس المستمع والمطَّلع على القول المعرِّض.
لقد عرف الأدب الجزائري نصوصًا كثيرة في هذا اللون وقد لحظنا كثرة النماذج، وتعدُّد الأدباء الذين استعملوا أسلوب التعريض وسيلة للتعبير عن اهتماماتهم. نشير مثلاً إلى مقال "إنِّي أرى في المنام" لمحمد السعيد الزاهري(1) الذي ملئ تعريضًا بشكل لافت للنَّظر، فيه تعريض بأعمال رجال الطرق، الذين كانوا يستغلُّون سذاجة عقول بعض الناس، فيعمدون إلى سلب أموالهم، بعد أن يقنعوهم بأنَّهم رأوا رؤى بأن يفعلوا كذا وكذا، وأنَّ رؤاهم تأتي كفلق الصبح تحقُّقًا في الواقع. قدَّم الكاتب هذه الفكرة بأسلوب ممزوج بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وأمثال عربية، وقد أعان كلُّ ذلك على تكوين أسلوب التعريض.
كما كتب مفدي زكرياء مقالاً تحت عنوان "قلم أثيم في أسطورية بوليس الصحافيِّين"(2) وكتب محمد البشير الإبراهيمي مقالاً تحت عنوان "إبليس ينهى عن المنكر"(3). المقال كلُّه تعريض ينضح أسى وحسرة من المفارقات التي لحظها في الحياة. فيه الاستهزاء والتحقير والتبكيت والتنكيت. وفيه تعريض بواسطة الإقرار والاعتراف بالمخازي، وبواسطة عقد مقارنات.
من ألوان التعريض التي استوقفنا في الأدب الجزائري الساخر التعريض الممزوج بالحسرة والأسى، الذي يعبِّر عن الحالة النفسية المتأزِّمة، التي عاشها بعض الناس، وبخاصة أصحاب الضمائر الحية والمشاعر الوطنية الصادقة، التي كان يحزُّ في نفوسها أن ترى وطنها يعبث بها الأعداء في الوقت الذي يتقاعس فيه بعض أبنائه عن أداء واجبهم، ويتخلَّون عن مناصرة العاملين ومؤازرة المجاهدين في نضالهم.
يتحسَّر أبو اليقظان من هذه التصرُّفات، ويعرِّض بأولئك الذين يقعدون عن أداء واجبهم، ثم يدَّعون بأنَّهم قد أدّوه؛ حين يكتفون بتقديم كلمة شكر وكلمة طيِّبة
(1) ينظر صالح الخرفي، محمد السعيد الزاهري، ص: 153.
(2) ينظر جريدة "وادي ميزاب "،ع:49 (16/ 09/1927م).
(3) ينظر جريدة البصائر الثانية، ع: 143 (19/ 02/1951م). وعيون البصائر، ص: 455 - 458.