السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٩التي تدخل في تكوين انفعال ما – على ما يظهر لنا – لبقيت بقية تقصر اللَّغة عن تسميتها ووصفها … مهما يبلغ الانفعال من التعقُّد والتركيب، فلا بدَّ أن يدخل في تركيبه عنصر نفسيٍّ خاص، ليس من المستطاع تسميته"(1). مع ذلك نحاول تقديم تعريفات تقريبية من بين محاولات الدارسين الكثيرة.
من تعريفات الكتَّاب الأوروبيِّين للسخرية التعريف الآتي: "طريقة من طرق التعبير، يستعمل فيها الشخص ألفاظا تقلب المعنى إلى عكس ما يقصده المتكلم حقيقة، وهي صورة من صور الفكاهة، تعرض السلوك المعوج أو الأخطار، التي إن فطن إليها وعرفها فنَّان موهوب تمام المعرفة، وأحسن عرضها تكون حينئذ في يده سلاحا مميتا"(2). وقال كاتب آخر: " … وهي (أي السخرية) طريقة في التهكم المرير والتندُّر أو الهجاء، الذي يظهر فيه المعنى بعكس ما يظنُّه الإنسان، وربَّما كانت أعظم صور البلاغة عنفا وإخافة وفتكا"(3).
التعريف الثاني: يؤازر التعريف الأوَّل في كون السخرية سلاحا قاتلا ومميتا وفتَّاكا، إذا أُحسِن استعماله، يلجأ إليه الأدباء الموهوبون، والمؤلِّفون الكبار للتأثير على خصومهم، وعلى ضحاياهم، لذا يخافه الناس. وسقراط في جدله الفلسفي نهج هذا النهج المعروف بأسلوب التبالُه والتجاهل لاستدراج خصومه، حتىَّ يُقرُّوا بما يريده هو، ويكشف عن جهلهم وغرورهم، ومن ذلك تتولَّد سخرية فنِّية. كما أنَّ أرسطو أقحم "السخرية" في أبواب البلاغة، وحَدَّدَها بقوله: "إنَّها الدلالة على الأشياء بأسماء أضدادها"(4).
كما يلتقي التعريفان آنِفَي الذكر في أنَّ السخرية تعتمد على قلب المعنى، وعلى تخييب ظنِّ المستمع فيما ينتظره من الكلام الموجَّه إليه، وحجب المعنى الحقيقي أو معارضته باستعمال كلمات أخرى، وهو ما يعطي للسخرية معنى التلميح
(1) السخرية في الأدب العربي، ص: 15.
(2) م. س، ص: 13.
(3) م. س، ص: 14.
(4) جبُّور عبد النور، المعجم الأدبي، ط2، دار العلم للملايين، بيروت كانون الثاني (يناير)، سنة 1984م، ص: 138.